حشمة ولا انقباض ، فيرشدونها ، ويذهبون معها ، وليس للشرطي حقّ أن يدخل بيت أحد إلا بإذن الديوان لسبب خطير ، ولا يأخذ غريما محقوقا إلا من الطريق.
وفي البلاد الشرقية إذا كلّمت المرأة بعض الشرطة أو العسس ليلا لم يلبث أن يمدّ إليها يده ، ويهتك حجابها. وهيهات أن ينتقم منه منتقم. وعندي أن عدم الهيبة والخوف على صغر هو الذي يورث جيل الإفرنج جميعا الإقدام والجرأة على الأمور ، والكلام ، ويزيدهم بسطة في الجسم والعقل ، ويبطئ بهم الشيب والهرم ، فإنّ إلقاء الرعب في قلب الصغير كلوافح الرياح العاصفة على الغرس ، فمتى تمكّن منه جعله بعد ذلك غير صالح للمساعي الجليلة ، وما عدا خوف الحكّام والظلام ورؤساء الديانة في بعض البلاد الشرقية ، فإنّ الأمّهات يزرعن في قلوب أطفالهن الخوف من العفريت والروح الشرير والخيال والظلام وغير ذلك ، فتبّت العادتان ، ولو لا أن أهل الشرق من طبعهم التسليم للمقدور لما رأيت منهم أحدا تصدق عليه صفة الرجولية.
وقد صار الآن كتّاب الأخبار في هذه الديار يلومون أرباب السياسة على قلّة الأمن للماشين ليلا في طرق لندرة ، وسبب ذلك رجوع أولئك المنفيّين كما ذكرنا ، إلا أن هذا عارض يرجى زواله. وكذلك فشا اللوم على خيانة البريد ، لعدم تسليم الرسائل ، إلا أنّه أيضا من الأمور الطارئة.
صدقهم في الوعد
ومن ذلك اختصارهم الكلام مع المخاطب إذا اعتمدهم بشيء ، فإذا احتاج الصغير إلى الكبير في شيء قال له : إنّي أرجو أن تكون من المحسنين إليّ بتنويل طلبتي فأكون لك من الشاكرين. فهذا يغني عن قولنا يا بدر الكمال ، ويا بحر النوال ، يا من يلتجئ إليه العافون ، ويحجّ إلى كعبة فضله العائذون ، ويا من صيته طار في الآفاق ، وملأ الألسن والأوراق ، ويا من ويا من ، فيكون جواب الكبير له بغير ملث (٢٠٩) : سأبذل جهدي في مصلحتك ، وأخبرك. فهذا يغني عن قولنا : على الرأس والعين ،
__________________
(٢٠٩) الملث : ملث فلانا : وعده وعدا لا ينوي الوفاء به. (م).
