وقال آخر : «إن تجارة الحديد في بلاد الإنكليز كما هي الآن من إبداع هنري كورت لأنّا قبل سنة ١٧٨٣ كنّا نجلب جلّ لوازمنا من الحديد المصنوع من سواحل بحر البلتيك ، ولم تكن طريقة لصنع هذا الجوهر الذي يصدق عليه أن يسمّى جوهر الجواهر سوى تطريقه بمطارق ضخمة ثقيلة بعد إحمائه في فرن ، وهو أسلوب قديم يجري مع قدم أيام الخرافات ، وما عدا ما كان يتبعه من التعب والكلال فكان يلزم له أجم كثيرة لتفي بالوقود اللازم لإحمائه ، وحيث لم يكن عندنا منها ما يكفي كان لا بدّ لنا من استجلابه من الروسية والسويد حيث الأجم كثيرة ، والحديد يسهل صنعه فيها بالنسبة إلى هذا الصقع وإلى سعره فيها. فكانت معادننا الجزيلة تبقى معطّلة إلى أن قام هنري كورت المذكور ، وأعمل فكره الثاقب في ابتكار طريقة جديدة تكثر بها منافع هذا المعدن ، وتقلّ الصعوبة في صنعه ؛ فأدّاه الاجتهاد والتّبحّر إلى إحداث فرن هواء بواسطة لهيب النار المنبعث من فحم الحجر ، فكان يحمي به الحديد وهو تبر (١٤٣) ويصفّيه ثم يجعله قصبانا مسبوكة من دون فحم ولا مطرقة. ولكن لم يتهيّأ له إتقان هذا الحمل (١٤٤) إلا بعد أن أنفق عليه عشرين ألف ليرة ، ومنذ ذلك الوقت استغنينا عن حديد السويد والنورويج.
ثم لم تمض أربع عشرة سنة حتى صار ما يصنع منه في بلادنا قدر ما كنّا نجلبه من بحر البلتيك ، ثم صار ما يصنع منه على هذا المنوال موازيا لمائتي ألف طن ، منها خمسون ألفا ترسل إلى الخارج. وهذا القدر هو ما كنّا نفتقر إلى جلبه سابقا من البلاد الأجنبية. وقد صنع منه في سنة واحدة من هذه السنين المتأخرة في معمل بوالس أكثر ممّا كان يصنع منه في المملكة بضعفين. فأعظم به من اختراع يعدّ من أعظم الأسباب الموجبة لثروة أهل هذه البلاد ، ولاستقلالهم بأعمالهم ؛ إذ لو لاه لم يتأتّ إنشاء سكك الحديد ، والبواخر وغيرها. ولا يخفى ما في ذلك من المنافع فهو لنا بمنزلة إبرة المغنطيس لكشف الدنيا الجديدة. فما أجدر مخترعه بأن يحسب ندّا لواط ، وما أخلق بلادنا بأن تظهر كونها ممنونة له على مرّ الأيّام إلى أن قال : ومع أنّه
__________________
(١٤٣) التبر : المعدن قبل أن تتم تنقيته من الشوائب (خام). (م).
(١٤٤) كذا وردت ، وأحسبها : العمل. (م).
