تكون المسالك وحلة ، فلهذا يمكن أن يقال : إنّ أهل المدن أكثر حركة ورياضة من أهل الأرياف ، وبذلك تحصل الموازنة ما بين طيب هواء هولاء ، ووخامته عند أولئك ، وقد سبقت الإشارة إليه. فأمّا من ابتلي بالسّل والربو ، أوضيق الصدر فلا يصح له مقام من هذه البلاد أيّا كان.
وكما أنّ لياليهم في الشتاء تكون طويلة جدّا ، فإنّ النهار إذ ذاك عبارة عن ثماني ساعات ، كذلك تكون في الصيف قصيرة جدّا ؛ فإنّ النهار في شهر حزيران يكون ستّ عشرة ساعة ونصفا ؛ فيكون الليل كلّه كالشفق إلا أن يلبس الجوّ الغيم والدكنة.
ولنذكر لك جملة من الكلام على الهواء هنا لتتخذها قانونا تقيس عليه ، فأقول : إنّه في الثاني عشر من شهر تشرين الأول أحوج البرد إلى أيقاد النار ، وكنّا نرى أهل القرية كلّهم يصطلون ، فحذونا حذوهم ، وبقيت الشمس أياما عديدة لا ترى إلا لمحا ، وكانت تطلع في الساعة السادسة ، وتغرب في الخامسة ، ولا يكاد يكون بعد غروبها شفق.
وفي الواقع فإن النار عندهم تقوم مقام الشمس ، فإنّهم ينشّفون عليها الثياب ، ويتلذّذون بالنظر إليها ولا سيّما إذا كانت ذات لهب. وقد بلغت منهم ألفتهم بها بحيث إذا جلسوا في الصيف حين يستغنون عنها يطوفون بالموقد ويؤثرونه على الجلوس عند الشبابيك ، إلا أنه من يجلس عند الموقد فلا بدّ له من أن يغسل يديه ووجهه في اليوم مرارا حتى إن غلالته تتسخ من أثر الفحم من تحت ثيابه. وفي الرابع والعشرين من الشهر المذكور كانت الشمس تطلع في الساعة السابعة ، وتغيب قبل الساعة الخامسة. وفي السادس من تشرين الثاني كانت تطلع عند الثامنة ، وتغيب بعيد الرابعة. وفي هذا الشهر يكثر وقوع الضباب فيأخذ بالكظم (١٢٩) إذ المشي فيه لا يخلو من بعض أذى بالبصر ، ويسمّون هذا الشهر «نحّار الأعناق».
وقبل عيد الميلاد كان صحو عظيم ؛ فكانت الشمس ترى عامة النهار ، ولم يكن البرد يحوج إلى الاصطلاء ، وإنّما كنّا نوقد النار لمجرد الارتياح إلى رؤيتها كما هي
__________________
(١٢٩) الكظم : مخرج النفس من الحلق. يقال : أخذ بكظمه : أي جعل تنفسه عسيرا. (م).
