يقال : إن الإنكليز في ذلك أعظم الناس ترتيبا ، وأحكمهم وضعا للأشياء وكأنّهم إنّما ورثوا هذه الخلّة كابرا عن كابر ، ومن تعوّد على هذه الحال عندهم فلا يمكنه أن يتهنّأ بعدها في معيشته في البلاد المشرقية. قالوا : وعلى هذا الأصل بنيت بيوتنا بحيث إذا تبوأها أحد لا يحب أن يخرج منها ، ولا سيّما وضع مواقدهم ، فإنّها تسع من الفحم ما شئت ، وبذلك يحصل لهم الدفء في الشتاء وهو من ألزم ما يكون. وعندهم نحو ثمانمائة ألف دار مفردة يقال لها : كوتاج ، لا يمكن لغيرهم من الناس أن يعيش في مثلها حالة كونها منفردة.
رأي في دعواهم
فأمّا دعواهم بأنّ مباقلهم مريعة (١٢٨) غضّة ، بحيث تكفي لكلّ ما يلزم لهم ، وأن أثاثهم وأدواتهم وافية بالمراد حتى لا يمكن للشهواني أن يقترح شيئا زائدا عليها ، فليست في محلّها ، فقد مرّ بك كثير من البقول والفاكهة لا ينبت عندهم ، ويمكن أن يقال : إن ذلك غير ضائر من لم يتعوّد عليه ، فأمّا من جهة الأثاث فإنّ جميع سكان أوربا المتمدنين مشتركون فيه على أنّهم محرومون من كثير من الملاهي والفرج.
المنائر في أوربا
هذا وكما أن أرض إنكلترة كلّها محروث عامر كذلك كانت شطوطها بأجمعها مرصّعة بالمناير والأعلام لهداية السفن ، فإنّ في سواحلهم مائتي منارة لا تزال أنوارها متّقدة الليل كلّه. وجملة المناير التي في سواحل فرنسا الشمالية والغربية ، ٨٩ والتي في هولاد ٢٦ ومصاريف منايرهم تؤخذ من رسم يجعل على السفائن المشحونة التي تمرّ بها ، وهو يختلف ، وقد يبلغ في السنة مائتين وخمسين ألف ليرة ينفق نحو ثلثيه في لوازمها ، ويدّخر الباقي لأجل ترميمها.
__________________
(١٢٨) مريعة : خصبة. (م).
