قائمة الکتاب

إعدادات

في هذا القسم، يمكنك تغيير طريقة عرض الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم

الأمصار ذوات الآثار

9/262
*

إنها الحضارة المتوازنة التي تناسب طبيعة الأبدان والأكوان ، وشفافية الأرواح والأذهان.

ولما كان أتباع هذا الدين الحنيف خلفاء لله في أرضه ، ومستعمرين فيها ، تطلعوا إلى إنقاذ البشرية كلها من مفاسد الانحراف عن الفطرة ، وهدايتها إلى الطريق السوي ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى سادة الأرض وملوكها يدعوهم إلى الحق الواضح ؛ وكان في طليعة هؤلاء المدعويين كسرى ملك الفرس ، وقيصر سيد الروم ، وكانت دولتاهما أعظم الدول قوة ، وأوسعها رقعة ، وأعتاها حكما ، تقومان على إذلال الإنسان ، واستعباده ، وظلمه ، لكن تلك الدعوة المباركة لم تجد في نفسي كسرى وقيصر أثرا صالحا ، لأنهما رأيا فيها ذهاب ملكهما ، وضياع عظمتهما.

فلما لم تفلح حكمة اللسان معهما ، جاءت موعظة السّنان لتفهم هذين الجبارين في الأرض ، أن الجبروت كله لله ، يعطي ويمنع ، ويرفع ويضع ، ويعز ويذل ، ويؤتي الملك من يشاء ، وينزعه عمن يشاء.

فلم ينته عصر الراشدين المهديين إلا وبلاد الفرس والروم بأيدي المسلمين ، بل اتسعت تلك الفتوحات في عهدهم ، فشملت بلاد خراسان شرقا إلى أطرابلس الغرب ، وباب الأبواب (الدّربند) ومناطق من آسيا الصغرى شمالا إلى جنوب جزيرة العرب ؛ وبعض الجزر كقبرص ورودس ، هذا إلى جانب غزوهم لمناطق كثيرة كجرجان ، وطبرستان ، وأذربيجان ، وبلاد ما وراء النهر في الشرق ، وبلاد النّوبة في الجنوب المصري.

ولم تقف تلك الفتوحات في عهد خلفاء بني أمية ، بل امتدت لتشمل كافة بلاد السّند ، وبعض بلاد الهند ، وبلاد ما وراء النهر كبخارى وسمرقند والشاش والصّغد وفرغانة إلى حدود الصين ، وبلاد المغربين الأوسط والأقصى ، وبلاد الأندلس وجنوب فرنسة ـ فرنجة ـ كما قاموا بحصار حاضرة البيزنطيين «القسطنطينية».