بخلاف (سلام) بمعنى التحية فإنه يتصرف ، ومنه حجرا بكسر الحاء يقال للرجل : أتفعل هذا؟ فيقول : حجرا ، أي : منعا ، أي : أمنع نفسي وأبعده وأبرأ منه ، وقال سيبويه ، أي : سترا وبراءة من هذا ، ومنه قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً) [الفرقان : ٢٢] ، ولا يتصرف إذا كان مشابا معنى المبادأة والتعوذ ، بخلاف ما إذا كان على أصله من المنع أو الستر من غير أن يشاب هذا المعنى ، فإنه متصرف كقوله تعالى : (لِذِي حِجْرٍ) [الفجر : ٥] ، ومن ذلك عجبا وحمدا وشكرا لا كفرا ، قال ابن مالك : وهي إنشاء.
قال أبو حيان : وكذا قال الشلوبين أيضا ، فقال : إن قلت : كيف يكون هذا مما لا يظهر فعله ، ولا شك أنه يجوز أن تقول : حمدت الله حمدا ، وأحمده حمدا ، فالجواب إنما تكلم سيبويه في (حمد) الذي هو نفس الحمد ، أعني الذي هو صيغة الإنشاء للحمد ، وهذا لا يظهر معه الفعل ، بل يتعاقبان ، والذي أورده المعترض إنما هو محض الخبر عن الحمد لا نفس الحمد.
قال أبو حيان : والذي ذكره ابن عصفور أن هذه الألفاظ خبر ، فإنه قال : عجبا وحمدا وشكرا ثلاثتها مصادر قائمة مقام أفعالها الناصبة لها ، أي : أعجب عجبا ، وأحمد حمدا ، وأشكر شكرا ، وتفارق ويله وأخواتها في أن معنى هذه الخبر ، ومعنى تلك الدعاء ، وتفارق سبحان الله وأخواته وإن كان معناها الخبر من جهة أنها تتصرف فتستعمل مرفوعة كقوله :
|
٧٤٤ ـ عجب لتلك قضيّة وإقامتي |
|
فيكم على تلك القضيّة أعجب |
وتلك لا تتصرف ، وقد سردها سيبويه مع ما هو خبر فقال : «هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره ، من ذلك قولك : حمدا وشكرا لا كفرا وعجبا ، وأفعل ذلك وكرامة ومسرة ونعمة عين وحبا ، ونعام عين ، ولا أفعل ذلك ولا كيدا ولا هما ، ولأفعلن ذلك ، ورغما وهوانا ، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل ، كأنك قلت : أحمد الله حمدا وأشكر الله شكرا وأعجب عجبا وأكرمك كرامة وأسرك مسرة ولا أكاد كيدا ، ولا أهم هما ، وأرغمك رغما ، ثم قال سيبويه : وقد جاء بعض هذا رفعا يبتدأ ، ثم يبنى عليه كقوله : عجب لتلك قضية ... البيت»
__________________
٧٤٤ ـ البيت لهني بن أحمر في الكتاب ١ / ٣١٩ ، واللسان مادة (حيس) ، ولهمام بن مرة في الحماسة الشجرية ١ / ١٥٦ ، ولرؤبة في شرح المفصل ١ / ١١٤ ، وبلا نسبة في السمط ص ٢٨٨ ، وشرح الأشموني ١ / ٩٧ ، ١ / ٢١٦ ، وشرح التصريح ٢ / ٨٧ ، وشرح قطر الندى ص ٣٢١ ، انظر المعجم المفصل ١ / ٥٨.
![همع الهوامع [ ج ٢ ] همع الهوامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2159_hamo-alhavamia-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
