وهكذا تشترك الكلمة بيننا وبين ربنا ، فنقول : هذا واحد من الناس ، ونقول : الله واحد ، ولكن هيهات ما بينهما التقاء ، فأحدية ربنا ليست كخلقه. إنها أحدية شاملة ، بينما خلقه متكثر متشابه ، تعال نستمع في توضيح هذه البصيرة الى حديث عن الامام أبي الحسن ـ عليه السلام ـ وهو يحدد التشابه المستحيل. إنه في المعاني لا في الأسماء فانها مشتركة ، قال :
«انما التشبيه في المعاني ، فأما في الأسماء فهي واحدة ، وهي دلالة على المسمّى ، وذلك أن الإنسان وإن قيل واحد فانه يخبر أنّه جثة واحدة وليس باثنين ، والإنسان نفسه ليس بواحد لان أعضاءه مختلفة ، وألوانه مختلفة ، ومن ألوانه مختلفة غير واحد ، وهو أجزاء مجزأة ليست بسواء ، دمه غير لحمه ، ولحمه غير دمه ، وعصبه غير عروقه ، وشعره غير بشره ، وسواده غير بياضه ، وكذلك سائر جميع الخلق ، فالإنسان واحد في الاسم ولا واحد في المعنى ، والله جل جلاله هو واحد لا واحد غيره ، لا اختلاف فيه ، ولا تفاوت ، ولا زيادة ، ولا نقصان ، فأما الإنسان المخلوق المصنوع المؤلف من أجزاء مختلفة وجواهر شتى ، غير أنه بالاجتماع شيء واحد» (١)
وتتجلى أحديّة الله في معرفة هيمنته الشاملة على كل شيء ، وانه الفعال لما يريد ، وان له العبادة ، وأنّ ما يعبد من دونه ليس بشيء.
اما خرافات الجاهلية التي تزعم : ان هناك قوة اخرى مستقلة غير قوة الخالق فهي ناشئة من الجهل بالله ، وبأن خالق الكائنات يستحيل عليه العجز ، والحد ، والقيد ، فكيف يكون ربنا مثلا عاجزا عن التخلص من إبليس ـ حتى انه انما خلق الخلق حتى يتخلص من الطينة الخبيثة التي لا زالت معه منذ الأزل ، والتي هي طينة إبليس؟! كلا .. انه سبحانه هو خالق إبليس ، ومهيمن عليه ، فلا يجوز لنا عقلا
__________________
(١) نور الثقلين / ج ٥ ص ٧١٠.
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
