وقد فصّل المفسّرون القول في هذه الكلمة ، وذهب بعضهم مذاهب بعيدة حيث أنّه قال : إنّ المراد بما شاء الله نسيانه هو ما نسخ من الكتاب نصّا. ولكنّ الاية لا تدلّ عليه ، ولم يثبت تاريخيّا أنّ في القرآن آية منسوخة (بهذا المعنى من النسخ) ، بل وسياق آيات القرآن وهذه الاية بالذات ينفي ذلك تماما. كيف؟
أولا : إنّ الله سبحانه يصف كتابه بأنّه كتاب عظيم ، وأنّه هدى للعالمين ، وأنّه نور مبين ، وأنّه أخر رسالة إلهية إلى خلقه ، فكيف يسمح ربنا لمثل هذا الكتاب أن يتعرّض للدس والتزوير والتحريف والنسيان؟
ثانيا : إنّ النبي آمن بهذا الكتاب وآمن به المؤمنون وآمنوا جميعا بهذه الصفات التي نجدها فيه فكيف تركوه عرضة للنسيان والتحريف ، علما بأنّهم أصبحوا بنّاء حضارة رائدة ، فلم يتعرض المسلمون ـ كمجموع ـ لحرب إبادة حتى يمكن الافتراض أنّ ظروف العمل السري أنستهم بعض ما في كتابهم.
ثالثا : شاعت القراءة والكتابة في عهد الإسلام الاول ، وقد اهتم المسلمون بكلّ تفاصيل تاريخهم ، وحتى ببعض ما يهمله عادة الكتّاب والمؤرخون ، وقد رغّب القرآن في ذلك ، وأقسم بالقلم وبما يسطرون ، فكيف ضاعت عليهم كلمات ربهم مع ذلك الاهتمام الذي أولوه لها؟
رابعا : هنا القرآن يقول للرسول ـ صلّى الله عليه واله ـ «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» فأيّة حكمة كانت وراء الأقراء وعدم النسيان؟ أليست بقاء رسالة الله التي هي خاتمة رسالاته للعالمين؟ فكيف يمكننا أن نفترض تعرّض هذه الرسالة للتحريف؟
إنني أعتقد ـ انطلاقا من هذه الشواهد وغيرها ـ أنّ القرآن الذي بلغنا هو
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
