وربما السبب في ذلك أن السورة قد أوحت اليه أن مسئولية الرسول كمبلّغ وداعية الى الله قد أكملت ، لذلك كان عليه ان يستعد للرحيل.
(٢) النصر أو الفتح ليسا هدفا بذاتهما عند المؤمنين ، إنما وسيلة الى هدف أسمى هو هداية الناس الى نور الرسالة.
(وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً)
فعند ما تهاوت حجب الضلال ورأى الناس نور الدين فوجدوه دين الفطرة والعقل ، دين الحكمة والسماحة دخلوا فيه فوجا بعد فوج ، يقود كل فوج إمامهم وداعيتهم ، والسابق منهم اليه ، وقد قال المفسرون : انها نزلت في أهل اليمن الذين توافدوا على النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ أفواجا ، تقول الرواية المأثورة عن ابن عباس : ان النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قرأ (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم ، لينة طباعهم ، سخيّة قلوبهم ، عظيمة خشيتهم ، فدخلوا في دين الله أفواجا. (١)
وهكذا انتشر نور الإسلام بعد فتح مكة في كافة أرجاء الجزيرة العربية ، وبدأ المسلمون يتحفزون للانبعاث الكبير في أرجاء الأرض.
وتهدينا بصائر هذه السورة وهدى سيرة النبي وعبر تاريخ الحركات الدينية : أن علينا أن نعقد العزم على تحطيم قلاع الكفر المتقدمة قبل نشر الرسالة ، فما دامت تلك القلاع تدافع عن قيم الجهل والتخلف ، وتمنع الناس بالترهيب والتضليل والترغيب عن التغيير والإصلاح ، لا ينفع التبليغ والتبشير كثيرا ، ومن أجل هذا قاتل كثير من الأنبياء والربانيون ، ومن أجل هذا جاهد الرسول الأكرم ، ومن
__________________
(١) القرطبي / ج ٢٠ ـ ص ٢٣٠
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
