واختلاف الأمم بعد رسل الله وتمام الحجة عليهم دليل على مدى حاجة البشر الى الوحي ، حيث تراهم يختلفون حتى بعد تنزل الوحي بينهم ، وبمجرد ان يخبو ضوءه عنهم ، فكيف بهم إذا حرموه رأسا؟!
(٥) من أين يشجر الخلاف بين البشر؟ من الشرك بالله ، حيث يقدّس كل حزب شيئا لم يأذن الله به ، فتختلف المقدسات ، وتتفاوت القيم ، ويقع الخلاف ، بينما إذا كانوا جميعا يرجعون إلى تلك البصائر التي جاء بها الوحي ، ولم يقدسوا مصلحة أو أرضا أو عشيرة أو أشخاصا من دون الله إذا توحدت كلمتهم ، وصلحت أمورهم.
(وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ)
دون الأنداد والشركاء الموهومين ، ولا تتم العبادة إلّا بالتسليم لله وحده ، ونبذ الخضوع لايّة قيمة أو سلطة من دونه.
(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ)
يبدو أن معنى الدين هو : ما يخضع له الإنسان من تلقاء نفسه من شريعة أو نظام ، وخلوصه رفض ازدواجية الولاء بين الله والرسل والأولياء ، وبين سائر السلطات المادية ، وهذا ما لم يستقم عليه أهل الكتاب ، إذ تراهم ابتدعوا الكلمة الشائعة : ما لله لله ، وما لقيصر لقيصر ، ومن اتبع هوى قيصر كيف يخلص دينه لله؟!
وقد سبق منا اختيار معنى الطهر لكلمة الحنيف ، فلما ذا تأتي الكلمة بعد بيان الإخلاص في الدين؟ لعل التوحيد درجات : أولها الشهادة به لسانا ، وعقد القلب به مجملا ، وثانيتها : رفض الأنداد ، ومواجهتهم ، والتمرد ضد سلطانهم ، والثالثة : تطهير القلب من حبهم أو الميل إليهم ، وتطهير الفكر من رواسب ثقافتهم ، وتطهير السلوك
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
