(٤) ولعل البعض يتشابه عليه الأمر ، فيظن أن تفرق أهل الكتاب واختلافهم في الدين كان من نقص في الحجّة ، فإذا تمت الحجة واكتملت البينة فلا أحد يختلف مستقبلا في الدين ، كلا .. ان الكتاب يوفر للناس فرصة الهداية ، ولكنه لا يفرضها عليهم فرضا ، فإن آمنوا به فقد اهتدوا ، وإلّا فهم المسؤولون عن ظلالهم وشقائهم.
(وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)
يبدو أن أشد الضلال عند أهل الكتاب تفرقهم ، أليس الايمان بالله ورسله وشرائعه يوحّد أهله في إطار الغايات التي يرسمها ، والمناهج التي يفرضها ، والسلوك الذي يوصي به؟
لقد تفرق اليهود إلى اثنين وسبعين فرقة ، أبرزهم طوائف الصدوقيين والفريسيين ، والاسيين ، والغلاة ، والسامريين ، وكان لكل فرقة منهم ميزاتهم في الفكر والسلوك (١).
وبذات العدد تفرق النصارى وكان أبرز طائفتين منهم (الملكانية) الذين ذهبوا الى عقيدة ازدواج الطبيعة عند السيد المسيح ـ عليه السلام ـ و (المنوفوسية) الذين زعموا أن طبيعته واحدة هي الالوهية ، وحاول الامبراطور الروماني (٦١٠ م) ان يجمع مذاهب الدولة بالمنع عن الخوض في القضايا الكلامية ، إلّا أنّ القبط في مصر نابذوه العداء ، ووقع ـ جراء ذلك ـ اضطهاد فظيع على يد قيصر مصر استمر عشر سنين ، فكانوا يعذبون الرجال ثم يقتلونهم غرقا ، وتوقد المشاعل على الضحايا حتى يسيل دهنهم ، وقد يوضع الضحية في كيس رمل ويلقى حيّا في البحر (٢).
__________________
(١) في ظلال القرآن / ص ٣٩٥٠.
(٢) المصدر / ص ٣٩٥١.
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
