القلم؟ بلى. إذا فما الذي يتنزل به الملائكة في ليلة القدر؟ يبدو أن التقديرات الحكيمة قد تمت في شؤون الخلق ، ولكن بقيت أمور لم تحسم وهي تقدر في كل ليلة قدر لايام عام واحد ، فيكون التقدير خاصّا ببعض جوانب الأمور ، وليس كل جوانبها ، بلى. تشمل التقديرات جميع الأمور ، ولكن من كلّ أمر جانبا ، وهكذا يكون حرف «من» للتبعيض وهو معناه الاصلي ، وهو أيضا ما يستفاد من النصوص المأثورة في هذا الحقل :
سأل سليمان المروزي الامام الرضا ـ عليه السلام ـ وقال : ألا تخبرني عن (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) في أي شيء نزلت ، قال : «يا سليمان! ليلة القدر يقدر الله عز وجل فيها ما يكون من السنة الى السنة ، من حياة أو موت ، أو خير أو شر أو رزق ، فما قدره الله في تلك الليلة فهو من المحتوم» (١)
وهكذا تختلف بصائر الوحي عن تصورات البشر ، فبينما يزعم الإنسان أنه مجبور لا اثر لمشيئته في حياته يعطيه الوحي قيمة سامية ، حيث يجعله قادرا على تغيير مجمل حياته : من سعادة وشقاء ، وخير وشر ، ونفع وضر ، كل ذلك بإذن الله ، وعبر الدعاء الى الله في ليلة القدر.
إن البشرية في ضلال بعيد عن حقيقة المشيئة ، فهم بين من ظنّ أنه صاحب القرار ، وقد فوض الله الأمور إليه تفويضا مطلقا ، فلا ثواب ولا عقاب ولا مسئولية ولا أخلاق ، وبين من زعم أنه مضطرّ تسوقه الأقدار بلا حرية منه ولا اختيار.
ولكن الحق هو أمر بين أمرين : فلا جبر لاننا نعلم يقينا أن قرارنا يؤثر في حياتنا ، أو لست تأكل وتشرب وتروح وتأتي حسب مشيئتك وقرارك؟ وكذلك لا تفويض لان هناك أشياء كثيرة لا صنع لنا فيها : كيف ولدت ، واين تموت ،
__________________
(١) نور الثقلين / ج ٥ ـ ص ٦٣٠
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
