الحقيقي ليس في جسمه وإنما في روحه ، في تلك الومضة المباركة من نور المشيئة التي منح من دون سائر الأحياء ، في ذلك القبس من نور العقل والعلم والمعرفة الذي زود به وميز به عن سائر الخلائق.
وهذا المعنى هو الذي ينسجم مع سياق السورة ، فالقوام الحسن الذي منّ الله به على الإنسان ليس تقويم جسده فقط ؛ لان هذا التقويم مقدمة لما هو أهم وهو قوام روحه ؛ ولان المؤمن والكافر يشتر كان فيه ، ولا معنى لردّ الكفار وحدهم إلى أسفل سافلين.
إن الإنسان قد خلق ليكون ضيف ربه الأعلى في جنان الخلد ، ليكون جليس مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ليكون مثل ربه العظيم يقول : للشيء كن فيكون ، ليكون في خطّ ذلك الإنسان الذي يعرج الى ربه ويعرج حتى يكون قاب قوسين أو أدنى.
(٥) ولكن هذه الفرصة المباركة التي منحت له تنعكس تماما عند ما لا يستفيد منها ، فيكون كالمتسلق جبلا عظيما ان زلت قدمه هوى إلى الوادي السحيق.
(ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ)
إلى اين؟ إلى جهنم وساءت مصيرا ، حيث يتمنى لو يكون ترابا.
(٦) ما دام الإنسان قد خلق في أحسن تقويم فليترك نفسه مع الأقدار تحمله أنى اتجهت؟ كلا .. إذ أن ذلك يؤدي به الى أسفل سافلين ، لا بد من الوعي والنشاط حتى لا يهبط الى الدّرك الأسفل ، ومثله في ذلك مثل الذي يوضع في قمة جبل سامق ، فتهب عليه عاصفة شديدة ان لم يستخدم كل وعيه وقوته وعزمه لطوّحت به الى الوادي.
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
