طمعا ، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم. وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم ، وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم. وأمّا النّهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء. قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ؛ ويقول : لقد خولطوا!» (١) وقد كان رسول الله المثل الأعلى لهذه الصفات ، فقد قام الليل حتى تورمت قدماه ، وعانى من الجوع حتى شد على بطنه حجر المجاعة ، وطلبته الدنيا فكشح عنها.
ولم يزل خلال أيام رسالته المحدودة يهدم بنى الجاهلية في كلّ يوم ليقيم مكانها صرح الإسلام ، فما فرغ من مهمّة الا لينصب للثانية ، حتى إذا أكمل الله به الدين نصب نفسه لمهمة الخلافة من بعده ، فاستوزر عليا ـ عليه السلام ـ إماما من بعده ، وكانت تلك أصعب مراحل حياته ، حيث واجه مخالفة واسعة من بعض أصحابه ولكنه نهض به بكل عزم واستقامة.
من هنا جاء في تفسير الاية عن الامام الصادق ـ عليه السلام ـ : «فإذا فرغت من نبوتك فانصب عليّا ، وإلى ربّك فارغب في ذلك» (٢)
(٨) وما الذي يجعل المؤمنين في حركة ذاتيّة ، ونشاط لا ينقطع؟ إنه حب الله والرغبة اليه ، ومن وله بأحد استسهل الصعاب من أجله ، وأي حبّ أكبر في صدور المؤمنين من حبهم لله وقد قال الله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (٣) لذلك جاء النداء
__________________
(١) نهج البلاغة / خ ١٩٣ ص ٣٠٣
(٢) تفسير نور الثقلين / ج ٥ ص ٦٠٥
(٣) البقرة / ١٦٥
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
