الجسد على الأعمال الصالحة ، لا يفرغ من واحد حتى تراه يشتغل بالثاني ويجتهد فيه وينصب لتحقيقه ، إنّ نفسه منه في نصب لان أهدافه كبيرة ، وتحسّسه بالزمن وسرعة انصرامه عنه ، وبالموت وتسارع خطاه إليه ، وبالأجل الذي لا يستأخر ولا يستقدم ساعة حلوله ، وبالقبر الذي ينتظره لنومة طويلة ، وبالحساب ينتظره بكل هيبته ودقّته .. أقول : إن عمق تحسّسه بكل ذلك يقضّ مضجعه ، ويسلب راحته ، ويلهيه عن اللهو ، ويشغله عن اللعب ، ويصوّمه عن لذّات الدنيا إلّا بقدر حاجته ، ويزهّده في درجاتها الزائلة.
هكذا كان أولياء الله الصالحين ولا يزالون فطوبى لهم ثم طوبى لهم ، وهكذا تجدهم عند نزول الموت بهم يتحسرون لا لفراق الأحبة ، وانعدام لذات الدنيا. كلا .. وإنما لأنهم بالموت يفقدون لذة قيامهم بالليل ومناجاتهم مع رب العباد ، كما يفقدون لذّة العطش في صيام الهواجر.
كذلك يصفهم الامام علي ـ عليه السلام ـ في خطبة المتقين حيث يقول : «ولولا الأجل الّذي كتب الله عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى الثّواب ، وخوفا من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنّة كمن قد رآها ، فهم فيها منعّمون ، وهم والنّار كمن قد رآها ، فهم فيها معذّبون. قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة. صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة. تجاره مربحة يسّرها لهم ربّهم. أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها. أمّا اللّيل فصافون أقدامهم ، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونها ترتيلا. يحزّنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم. فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
