وهذه الأسباب متداخلة ، فقد يكون سبب تأخير الوحي الظاهر أكثر من سبب واحد ، وأنّى كان فقد امتحن المؤمنون ، وزاد شوق الرسول الى الوحي ، كما ذهبت إشاعات المشركين أدراج الرياح ، وعرف الناس أن كلامهم باطل ، وأمرهم فرط.
(٤) وكما يتفجر ضحى الشمس بعد ليل ساج ، وكما يتنزل الوحي بعد انقطاع وانتظار كذلك الاخرة التي تتأخر زمنيا عن الاولى خير وأبقى ، وعلى المؤمن ألّا يستعجل النتائج فقد يكون في تأخيرها مصلحة كبري.
(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى)
قيل : ان له في الاخرة ألف ألف قصر من اللؤلؤ ترابها من المسك ، وفي كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم ، وما يشتهي ، على أتم الوصف (١).
وقال بعضهم : الاخرة تعني المستقبل ، وفيها بشارة للنبي بأنه سيفتح له فتحا مبينا.
(٥) ويبدو لي أن أعظم ما بشربه النبي لقاء جهاده في الله ، وعنائه الشديد الذي فاق عناء الأنبياء جميعا كانت الشفاعة ، ذلك أن قلبه الكبير كان ينبض بحب الإنسان ، وهدفه الأسمى كان إنقاذ البشرية من إصر الشرك والجهل وأغلال العبودية والتخلف والفقر والمرض ، وحتى في يوم القيامة حيث كان يقول جميع الناس والأنبياء معهم : نفسي نفسي ، ترى رسول الله ـ صلّى الله عليه واله ـ يدعو ربه بالشفاعة ويقول : أمتي أمتي ، وفي أشد لحظات حياته عند ما نزلت به سكرات الموت كان يقول لقابض روحه : شدّد عليّ وخفف عن أمتي. إن هذا القلب الكبير لا يملؤه إلّا حبّ الله وحب عباده ، ولا يرضيه سوى إنقاذ عباد الله في الدنيا من
__________________
(١) مجمع البيان ج ١٠ ص ٥٠٥.
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
