الوجود ذاته سلسلة انتصارات ضد العدم ، أو ليس الوجود نورا يجعل الشيء واقعا! تصور أن النور ذرأت متلاحقة متصلة ، فاذا توقفت فليس ثمة سوى ظلام.
والحياة بدورها سلسلة صراعات ضد الموت ؛ إنها هي الاخرى نور متجدد ، وهي نتيجة ملايين من العوامل المتزامنة لو فقد بعضها انعدمت.
كما أن حياة كل واحد منا صراع مع الطبيعة ، أو تعرف كم مليار جرثومة هجمت عليك خلال رحلة حياتك بهدف القضاء عليك ، وكم مرة تعرضت أو تتعرض لخطر الموت فنجوت منها بإذن الله ، وحتى على مستوى الظاهر تجد الإنسان في كبد ، يصارع من أجل البقاء في ظلمات الرحم ، ويواجه أكبر التحديات عند الولادة ، حتى اعتبروا ساعتها كساعتي الموت والنشور أشد مما يمر به البشر ، وفي الطفولة المبكرة يعاني من الجوع والعطش والألم ويتحدى الأخطار ، أو ليس تشكل نسبة الوفيات عند الأطفال الأعلى في البلاد النامية ونسبة عالية في غيرها؟!
راقب طفلا يتعلم المشي وانظر كم يقدم وكم يسقط ، وراقبه عند تعلم اللغة كم يعاني من صعوبة ، وراقبه عند ما يسعى لاقناع والديه برغبة ملحة كم يبكي وكم يجهد نفسه. كل ذلك جانب من معاناة الطفل. أما معاناة الكبار فإنها لا تنتهي لأن الإنسان خلق شاعرا طموحا ، والشعور يفرز الألم ، والطموح سبيل المعاناة ، وهذا هو الذي يميزه عن سائر الأحياء ، ومن هنا روي عن الامام الحسن ـ عليه السلام ـ انه قال : «لا أعلم خليقة يكابد من الأمر ما يكابد الإنسان ، يكابد مضايق الدنيا وشدائد الاخرة» (١).
(٥) وفي هذه المكابدة يستوي المؤمن والكافر ، والغني والفقير ، والكبير ، والصغير ، وكل من سمي إنسان. قد لا تحس أنت بمعاناة رفيقك لأنك لست في
__________________
(١) المصدر ص ٥٣٥.
![من هدى القرآن [ ج ١٨ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2148_min-hodi-alquran-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
