ولعلهم في هذا الجانب وبهذه الروح يشبهون بني إسرائيل ، حيث تقدمت بهم الحضارة حتى صار أكلهم يتنزّل عليهم من السماء منّا وسلوى ، لكنهم رفضوه ، وأخذهم الحنين الى القديم من البقل والعدس والفوم ، فذمهم الله على هذه النفسية السلبية المتخلفة وقال : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ) (٤) ويصف الله هذه الروحية بأنها صورة للظلم الذي يعود على صاحبه بالضرر والفساد.
(وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ)
ومضربا للمثل في خاتمة السوء ، وتهدينا الآية الى نهاية هؤلاء ، حيث تحولوا من الواقع المتحضر القائم على الأرض ، الى مجرد احدوثة على ألسنة الناس ، والقرآن الكريم يشير الى ان حضارتهم انما تبددت بسبب الروح الفردية التي نخرت كيانها فيقول :
(وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)
حيث تحولت النزعة الانانية الى واقعها المرّ ، ولا ريب ان الحضارة تولد بالجهود الجماعية المنظمة ، حيث تتركز الجهود ، وحين تنعدم الروح الجماعية ، والتفكير المشترك ، والسعي الموحد ، تؤول الى الدمار.
وفي تفسير الآية عن الامام الصادق (ع) قال :
«هؤلاء قوم كانت لهم قرى متّصلة ، ينظر بعضهم الى بعض ، وأنهار جارية ، وأموال ظاهرة ، فكفروا بنعم الله عز وجل ، وغيّروا ما بأنفسهم ، ففرق قراهم ، وخرّب ديارهم ، واذهب بأموالهم» (٥)
__________________
(٤) البقرة / (٦١).
(٥) نور الثقلين / ج (٤) / ص (٣٢٩).
![من هدى القرآن [ ج ١٠ ] من هدى القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2132_min-hodi-alquran-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
