فإن قلت : فإنهم
______________________________________________________
له أنت خير فهم عنده بصراء ، وهذا من إنزال السبب منزلة المسبب انتهى ، لكن كلام المصنف ظاهر في اتصال أم وكلام الزمخشري نص فيه ، وكلامهما مخالف لكلام سيبويه كما ستراه ، وقد يقال : إن قولهم له : أنت خير سبب في كونهم بصراء عنده ، والواقع بعد أم هو أنا خير وذلك خير مقوله لا مقولهم ، ويجاب بأن المراد أم تقولون أنت خيرا لكن حكاه بالمعنى ، كما إذا قال لك زيد : أنت فاضل ، فتقول حاكيا له : قال زيد : أنا فاضل ، فتقيم ضمير المتكلم مقام ضمير المخاطب ؛ لوجود القرينة وظهور المعنى المراد ، ويحتمل أن يكون هذا من إقامة المسبب مقام السبب ؛ لأن اعتقاد خيريته مسبب عنده عن كونهم بصراء ، وأما سيبويه فإنه قال في «الكتاب» : هذا باب أم منقطعة وذلك قولك : أعمرو عندك أم عندك زيد ، فهذا ليس بمنزلة أيهما عندك ، ألا ترى أنك لو قلت : أيهما عندك عندك لم يستقم إلا على التكرير والتوكيد ، ويدلك على أن الآخر منقطع عن الأول قول الرجل : إنها لإبل ثم يقول أم شاء يا قوم ، فكما جاءت أم هاهنا بعد الخبر منقطعة كذلك تجيء بعد الاستفهام ، وذلك أن حين قيل : أعمرو عندك فقد ظن أنه عنده ، ثم أدركه مثل ذلك الظن في زيد بعد أن استغنى كلامه ، وكذلك إنها لإبل أم شاء ، إنما أدركه الشك حين مضى كلامه على اليقين ، ثم قال : ومثل ذلك (وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ٥١ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) [الزخرف : ٥١ ـ ٥٢] كأن فرعون قال : أفلا تبصرون أم أنتم بصراء فقوله : أم أنا خير من هذا بمنزلة أم أنتم بصراء ، لأنهم لو قالوا ؛ أنت خير منه كان بمنزلة قولهم : نحن بصراء ، وكذلك أم أنا خير بمنزلة أم أنتم بصراء ، ثم قال : ومن ذلك أعندك زيد أولا ، كأنه حين قال : أعندك زيد كان يظن أنه عنده ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال : أم لا ، انتهى كلامه ، فأنت تراه كيف حكم بأن أم في الآية منقطعة وقدر انقطاعها بما رأيت فكيف يحكم بأن ما ذكره المصنف هو معنى كلام سيبويه ، مع القول بأن أم متصلة.
قال السيرافي في تقرير كلام سيبويه ما معناه : إنه إذا كان بعد أم نقيض ما قبلها فهي منقطعة ؛ وذلك لأن السائل لو اقتصر في ذلك المثال على قوله أعندك زيد لاقتضى استفهامه هذا أن يجاب بنعم أو لا ، فقوله أم لا مستغنى عنه في تتميم الاستفهام الأول وإنما يذكره الذاكر ؛ ليبين أنه عرض له الظن في نفي أنه عنده كما كان قد عرض له الظن في ثبوت كونه عنده ، وكذا في الآية لو اقتصر على قوله : أفلا تبصرون لاستدعى أن يقال له : تبصر أو لا تبصر ، فكان في غنية عن ذكر ما بعده ، لكنه أفاد بقوله : أم أنا خير عروض الظن له في أنهم يبصرون بعد ما ظن أولا أنهم لا يبصرون ، هذا كلامه.
(فإن قلت :) ما ادعيتموه من أن المعطوف لا يحذف بدون عاطفه ليس بصحيح (فأنتم
![شرح الدماميني على المغني اللبيب [ ج ١ ] شرح الدماميني على المغني اللبيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2087_sharh-aldamamini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
