الرجحان؟ إذ من البديهيّات أنّ العبادات لا تكون بغير رجحان ، وأنّ المتساوي الطرفين لا يكون عبادة قطعا ، فضلا أن يكون مرجوحا وتركه راجحا وفضلا وعبادة ، إذ كيف يتصوّر عبادة يكون تركها عبادة لا فعلها؟ هذا من العجائب!
وكذلك الحال في الجزء ، إذ لو كان الأولى والراجح تركه وعدمه ، فكيف يصير جزءا؟ ومتى تكون مجموعه عبادة؟ وإن جعلت الجزء الأوّل فقط عبادة ليس إلّا ؛ لا جرم يكون الجزء الآخر خارجا عن العبادة بلا شبهة ولا ريبة ، والخارج عن العبادة كيف يكون جزءا لها وداخلا فيها وتتمّة لها؟ وإن كان خارجا بالمرّة ولا يكون تتمّة وجزءا أصلا ورأسا يكون فعلا أجنبيّا بالنسبة إلى العبادة خارجا عنها غير محسوب منها ، فكيف يصحّ المسح بمائه؟
وأيّ فرق حينئذ بينه وبين أن يغسل بين الوضوء لا بنيّة كونه جزء العبادة وتتمّة لوضوئه؟ وقد عرفت عدم النزاع فيه أصلا ورأسا ، والأخبار الدالّة على وجوب كون مسح الوضوء بمائه قد عرفت مفصّلة ، إذ لا شكّ في أنّها تأبى عن كون المسح بماء لا يكون جزءا لهذه العبادة.
وأيضا الغسلة الثانية لا بدّ من أن يتحقّق بقصد ؛ إمّا القربة والامتثال وهو فرع الرجحان بالبديهة ، وإمّا اللغو أو هوى النفس ، فلا يلائمه قوله تعالى (وَما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ) (١) ، وغير ذلك ، ومع ذلك أيّ معنى لجعلها جزء ما لا بدّ فيه القربة؟
وأيضا قد مرّ أنّ كون الوضوء بمدّ من جهة الغسلة الثانية ، فكيف يكون لغوا؟ على أنّك عرفت من الأخبار الصراحة في كون الغسلة الثانية مطلوبة وراجحة بحيث لا يمكن تأويلها وتوجيهها ، فلاحظ!
__________________
(١) البيّنة (٩٨) : ٥.
![مصابيح الظلام [ ج ٣ ] مصابيح الظلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1675_masabih-alzalam-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
