هو ما آمن مؤمن أفضل من إيمان الغيب ، ثمّ قرأ : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) أي يديمونها ويأتمونها ويحافظون عليها بمواقيتها وركوعها وسجودها وحقوقها وحدودها ، وكل من واظب على شيء وقام به فهو مقيم له يقال أقام فلان الحجّ بالناس ، وأقام القوم [سوقهم] (١) ولم يعطلوها قال الشاعر :
|
فلا تعجل بأمرك واستدمه |
|
فما صلّى عصاك [كمستديم] (٢) |
أي أراد بالصلاة هاهنا الصلوات الخمس ، فذكرها بلفظ الواحد ، كقوله : (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ) (٣) أراد الكتب ، وأصل الصلاة في اللغة : الدّعاء ، ثمّ ضمّت إليها [عبادة] سميت مجموعها صلاة لأن الغالب على هذه العبادة الدّعاء.
وقال أبو حاتم الخارزمي : اشتقاقها من الصّلا وهو النار ، فأصله من الرفق وحسن المعاناة للشيء ؛ وذلك إنّ الخشبة المعوجّة إذا أرادوا تقويمها [سحنوها بالنار] قوموها [بين خشبتين] فلذلك المصلّي ينبغي أن يتأنى في صلاته ويحفظ حدودها ظاهرا وباطنا ولا يعجّل فيها ولا يخفّ [ولا يعرف] قال الشاعر :
|
فلا تعجّل بأمرك واستدمه |
|
فما صلّى عصاك كمستديم |
أي ما قوّم أمرك كالمباني.
(وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ) أعطيناهم ، والرزق عند أهل السنّة : ما صحّ الانتفاع به ، فإن كان طعاما فليتغدّى به ، وان كان لباسا فلينقى والتوقي ، وإن كان مسكنا فللانتفاع به سكنى ، وقد ينتفع المنتفع بما هيّئ الانتفاع به على الوجهين : حلالا وحراما ، فلذلك قلنا إنّ الله رزق الحلال والحرام ، [وأصل الرزق] في اللغة : هو الحظ والبخت.
(يُنْفِقُونَ) يتصدقون ، وأصل الإنفاق : الإخراج عن اليد أو عن الملك. يقال : نفق المبيع إذا كثر مشتروه وأسرع خروجه ، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها ، ونافقاء اليربوع من ذلك لأنه إذا أتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق وأنفق إن خرج منه (٤) ، والنفق : سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر يخرج إليه.
(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) : أي يصدّقون (بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) : يا محمد يعني القرآن (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) : يعني الكتب المتقدمة مثل صحف إبراهيم وموسى والزّبور والإنجيل وغيرها.
__________________
(١) زيادة عن تفسير الطبري : ١ / ١٥٢ والمخطوط ممسوح.
(٢) تاج العروس : ٨ / ٢٩٥.
(٣) سورة البقرة : ٢١٣.
(٤) راجع كتاب العين : ٥ / ١٧٨.
![الكشف والبيان [ ج ١ ] الكشف والبيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1643_alkashf-valbaian-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
