نرى أنّ الحبّاب بن المنذر ، خطيب الأنصار ـ قد تكلّم بنفس جاهلي صرف حين تحدّث إلى الأنصار يُهيجهم ويشدّ من عزائمهم. ولم يخرج لسان المهاجرين عن هذه الرّوح حين قال :
«مَنْ يُنازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته»
وقد سارت الأحداث في الاتّجاه الذي رسمه أبو بكر ؛ فانقسم الأنصار بتأثير الرّوح القبلية التي تأججت ، وانخذل سعد بن عبادة الخزرجي ـ مُرشحهم للخلاقة ـ حيث بادرت الأوس فبايعت أبا بكر (١).
هذه الرّوح القبلية التي عبّرت عن نفسها يوم السّقيفة فتحت على المسلمين باباً من أبواب الفتنة.
فقد خرجت قريش من هذه التّجربة وهي ترى أنّ الحكم حقّ من حقوقها. وأنّ الخلافة وراثة آلت إليها بحكم كون نبيّ المسلمين منها. ممّا سبّب أسوأ الآثار في فهم القرشيين لمهمّة الحكم في الإسلام. وستظهر هذه الآثار واضحة في عهد عثمان.
__________________
(١) ممّا لا يخلو من مغزى أنّ عمر حين فرض العطاء على مبدئه في تفضيل بعض المسلمين على بعض ، فضّل الأوس على الخزرج في ذلك. راجع فتوح البلدان : ٤٣٧. وقد احتجّ سعد بن عبادة على توجيه الأحداث السياسيّة بهذا الشكل ، فلعنه عمر وأبو بكر جهاراً ، وبرءا منه ، وأخرجاه من المدينة إلى الشام حيث قُتل هناك. وكان ممّا قال فيه عمر : (اقتلوا سعداً ، قتل الله سعداً ، اقتلوه فإنّه منافق).
ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة / ج ٢٠ ص ـ ١٧ و ٢١.
