مَجَارِيَ فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُرْسِلُوا مِنْهُ الْمَاءَ أَرْسَلُوهُ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ، وَكَانَتْ لَهُمْ ( جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ ) مِنْ مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فِيهَا ثَمَرٌ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ مِنِ الْتِفَافِهَا ، فَلَمَّا عَمِلُوا بِالْمَعَاصِي وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَنَهَاهُمُ الصَّالِحُونَ فَلَمْ يَنْتَهُوا بَعَثَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ السَّدِّ الْجُرَذَ ـ وَهِيَ الْفَأْرَةُ الْكَبِيرَةُ ـ فَكَانَتْ تَقْتَلِعُ الصَّخْرَةَ الَّتِي لَا يَسْتَقِلُّهَا الرِّجَالُ وَتَرْمِي بِهَا ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْهُمْ هَرَبُوا وَتَرَكُوا الْبِلَادَ ، فَمَا زَالَ الْجُرَذُ يَقْلَعُ الْحَجَرَ حَتَّى خَرَّبُوا ذَلِكَ السَّدَّ ، فَلَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى غَشِيَهُمُ السَّيْلُ وَخَرَّبَ بِلَادَهُمْ وَقَلَعَ أَشْجَارَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) أَيِ الْعَظِيمِ الشَّدِيدِ ( وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ) ـ الْآيَةَ (١). وقرئ « سَبَأً » بالهمز منونا وغير منون على منع الصرف ، و « سَبَا » بالألف ، فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرفه ومن جعله اسما للحي أو للأب الأكبر صرفه.
و « سَبَأٌ » أبو عرب اليمن كلها ، وهو سَبَأُ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، ثم سميت مدينة مأرب المسماة بمازن سَبَأ ، وهي قرب اليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال. ويقال : إن سَبَأَ مدينة بلقيس باليمن ، وهي ملكة سَبَإٍ.
وقولهم : « ذهبوا أيدي سَبَا » و « أيادي سَبَا » (٢) مثل متفرقين ، وهما اسمان جعلا واحدا كمعديكرب.
و « سَبَأُ » قبيلة من أولاد سَبَإِ بن يشجب المتقدم ذكره ، وهذه القبيلة كانت بمازن وقصتهم في تفرقهم مشهورة
__________________
(١) البرهان ج ٣ ص ٣٤٦.
(٢) في مجمع الأمثال ج ١ ص ٢٧٨ : « ذهبوا أيدي سبا » و « تفرقوا أيدي سبا ».
