وتلا هذه الآية « وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » (١) يا أبا عبيدة الناس مختلفون في إصابة القول وكلهم هالك قال قلت قوله « إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ » قال هم شيعتنا ولرحمته خلقهم وهو قوله « وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » يقول لطاعة الإمام
______________________________________________________
الناس » يعني اختلافهم في هذه المسألة على أقوال شتى وقد مر تحقيقه في باب الجبر والاختيار وباب الاستطاعة ، والواو في « وتلا » للحالية وقوله : « يا أبا عبيدة » مفعول قال ، والمراد بالناس المختلفون ، والمراد بالإصابة الوجدان والإدراك والتفويض ، والآية في سورة هود هكذا : « وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ ».
وقال الطبرسي (ره) : لجعل الناس أمة واحدة ، أي على ملة واحدة ودين واحد ، فيكونون مسلمين صالحين ، وذلك بأن يلجئهم إلى الإسلام بأن يخلق في قلوبهم العلم بأنهم لو راموا غير ذلك لمنعوا منه ولكن ذلك ينافي التكليف ويبطل كالغرض بالتكليف ، لأن الغرض استحقاق الثواب ، والإلجاء يمنع من استحقاق الثواب ، فلذلك لم يشأ الله ذلك ، ولكن شاء الله أن يؤمنوا باختيارهم ليستحقوا الثواب « وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ » في الأديان ، وقيل : في الأرزاق والأحوال ، وتسخير بعضهم لبعض « إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ » من المؤمنين فإنهم لا يختلفون ويجتمعون على الحق ، والمعنى ولا يزالون مختلفين بالباطل إلا من رحمهمالله بفعل اللطف لهم الذي يؤمنون عنده ويستحقون به الثواب ، فإن من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل.
« وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ » اختلفوا في معناه فقيل : يريد للرحمة خلقهم ولا ينافي ذلك تأنيث الرحمة لأنه غير حقيقي وإذا ذكر فعلى معنى الفضل والإنعام ، وقد قال سبحانه : « هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي » (٢) و « إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ » (٣) وقيل : إن المعنى وللاختلاف خلقهم واللام لام العاقبة ، يريد إن الله خلقهم وعلم أن عاقبتهم يؤول إلى الاختلاف المذموم وقيل : إن ذلك إشارة إلى اجتماعهم على الإيمان ، وكونهم فيه أمة واحدة ولا محالة
__________________
(١) سورة هود : ١١٨.
(٢) سورة الكهف : ٩٨.
(٣) سورة الأعراف : ٥٦.
![مرآة العقول [ ج ٥ ] مرآة العقول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1018_meratol-oqol-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
