ويقول علماء التربية الحديثة ، ويقول علماء علم النفس الحديث : كل ما يعمله الطفل في سنيه الأولى من عمل وكل مايقوم به من تجربة فانما يلبي به نوازع الفطرة ونداءات الغريزة. واذن فمحاولات الصغير المتقدمة انعكاسات للفطرة وانبعاثات مع دواعيها ، فالفطرة هي التي تحفز الانسان ـ منذ طفولته ـ أن يختار الجيد من الامور والأجود منها عند التفاضل. والفطرة هي التي تحمله على أن يصبح مثاراً للاعجاب وموضعاً للاطراء. والفطرة هي التي تفرض عليه أن يحترم الاكابر من الناس وان يتخذ منهم قادة في الأعمال ومُثلا في الصفات. فهل نستطيع ان نعلل هذه الدوافع المتغلغلة في نفس هذا الكائن ؟ وهل نستطيع أن نعرف لماذا يولع الانسان بتحسين مظهره وإتقان أعماله وتنسيق حركاته ؟ بل ولماذا يتكبر المتكبرون من أفراده ويرائي المراؤون ؟ ولِمَ يدعي الناقصون منهم الكمال ويتظاهر الجاهلون بالعلم ؟.
في نفس الانسان رغبة ملحة للارتفاع ، ونزوع قوي الى التسامي ويبدو انه انما يقوم بهذه الاعمال تلبية لهذه الرغبة ، وارواءً لهذه الغلة.
نعم كل هذه المظاهر وكل هذه الأعمال ـ حتى ماشذ منها عن الخلق القويم ـ اصداء لهذه الرغبة النفسانية الملحة ، ولكنها في الشواذ من الاعمال والمظاهر والأخلاق استجابة ملتوية وانقياد غير متزن.
ولعل السر في هذا الالتياث ، في هذه المسالك الملتوية التي يركبها الانسان الملتوي ، وفي هذه الادعاءات الجوفاء التي يفتتن بها الرجل الاجوف ، لعل السر في ذلك أن الانسان يعز عليه أن يخسر الكمال ، ويكبر عليه ـ إذا خسر الكمال ـ ان يعترف على نفسه بهذا الخسران.
