هذا المبدأ القويم الذي جرت عليه سنة الله في التكوين ، لما وازن في المكونات بين متنوع العناصر ، وواءم بين مختلف النِسب. فركب في الانسان من العناصر ما يعتدل به كيانه ، ومن المقادير ما تتزن به قواه ومن الأجهزة ما ينتظم به وجوده ويُضمن به بقاؤه ثم يحفظ به نوعه :
( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ) (١).
في كل حي وفي كل شيء ليس في الانسان وحده هذا الاتزان الكوني الرتيب وهذا التناسق النوعي المطرد. في كل ماأظهرته يد القدرة وخطته كف الابداع :
( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (٢).
هذا المبدأ المستقيم الذي جرت عليه سنة الله في التكوين ، وجرت عليه كذلك سنته في التشريع فاعتمده الإسلام في صوغ مناهجه ، وعقد به عامة أحكامه ، وكان أول بروز له في هذا الدين أن جعل العدل صفة من صفات الله يعترف بها من يعترف بالإسلام ويؤمن بها من يؤمن بالقرآن.
العدل في نسقه الأعلى وفي أفقه المحيط ، بحيث لا يكدر صفاءه ظلم ، ولا يحيط بتخومه حد ، ولا تبلغ مداه قدرة ، ولا يتناهى ببقائه أمد. هذا العدل الكامل الشامل هو صفة الله تعالى التي يدين بها الإسلام ويفتّن باثباتها القرآن :
__________________
١ ـ الانفطار : ٦ ـ ٨.
٢ ـ الحجر : ٢١.
