بهذا المنظار الدقيق الذي ينفذ الى أعمق الأعماق في بيئة الانسان الكونية والى غور الاغوار في دخيلته الذاتية يستوعب الإسلام كل خصائص هذا الكائن فحصاً. ويستقرىء كل ملابساته درساً ، كي يصف له العلاج الواقي ويضع له المنهاج الراقي.
العلاج الذي يحسم عنه كل داء ، والمنهاج الذي يسدده في كل مدى.
أقول : على هذه الوحدة العامة التي تربط بين أجزاء الكون وتصل بين متفرقاته وتؤلف بين غاياته ؛ بنى الإسلام جميع تشريعاته للانسان ، فأي حكم من أحكامه شرّعه للانسان بما هو موجود مستقل فهو حكم له كذلك بما هو فرد من أفراد المجتمع ، وهو حكم له بما هو مولود من مواليد الحياة ، وشيء من اشياء الطبيعة ، وأخيراً بما هو جزء من اجزاء الكون. وعلى هذه الركيزة وضع الإسلام فكرته في الاجتماع وأسس نظامه للمجتمع ، فالبشرية بجميع اصنافها وبكل تخومها وأطرافها مجتمع واحد ، متكافئة اعضاؤه في الحقوق ، متعادلة في الواجبات متماثلة في الاعباء والتبعات ، فلا فارق في شريعة الإسلام بين دم ودم ولا بين جنس وجنس ، ولا بين لون ولون ، ولا بين موطن وموطن ، ولا بين زمان وزمان ، ولا بين طبقة وطبقة :
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (١).
مجتمع واحد يشد بعضه ببعض نسب الكون قبل أي نسب ثم آصرة الطبيعة ورحم المادة ولحمة الحياة وقربى البشرية. ثم هذه الركائز
__________________
١ ـ الحجرات ، الآية ١٣.
