الذي لايبخل ، العدل الذي لايظلم ، العزيز الذي يهب النعمة أنى شاء بقدرته ، ويسلبها أنى شاء بحكمته ؟ فالمسلم عف الضمير ، نقي السرّ ، طاهر العلانية ، موصل الأمل بالله شديد الثقة بتدبيره.
وهذه الدرجة من التوكل لن تقعد بالمسلم عن خوض غمار الحياة ولن تقصر به في شيء من مجالاتها. فقد ألهمته الفطرة السليمة أن لكل أمر مدخلا ، وقد لقنه الإسلام أن لكل شيء سبباً ، ولا عذر له من أن يلتمس رزق الله من سبله التي يسرها ومن موارده التي قدرها ، ولكن المسلم من اجل هذا اليقين الذي يفعم قلبه ويملأ جوانحه هاديء النفس حين يعمل ، قوي الطمأنينة حين يكسب ، ثابت الجنان حين يخفق ، متزن المشاعر والاعمال حين يستغني وحين يفتقر وهو من أجل هذا اليقين الذي يفعم قلبه ويملأ جوانحه معافى من العقد التي تخشو نفوس الآخرين والاضطرابات التي تظلم آفاقهم وتسعر حياتهم.
والمسلم يرجو من كسبه سد العوز في دنياه ونيل المثوبة في آخرته فقد علم من بدائه دينه أن الكسب الحلال الطيب قربة كبيرة يتعبد بفعلها الى ربه ، ويتطلب بها رضاه ويبتغي بها الزلفة لديه. فهو يسعى في الحياة بأملين ويكدح بحافزين ، ولذلك فهو أقوى جلداً وأرهف عزيمة وادنى الى الفلاح وارجى للغاية من الكادحين الآخرين.
والمسلم يعلم ان في الفقر مهانة لاتتفق وعزّ الإسلام ، وضعة لاننسجم والكرامة التي يبتغيها للمسلم ، وضعفاً لا يقوم للوظائف التي ينيطها به ، فهو يكافح هذا الخصم ماوجد الى كفاحه سبيلا. وهو كذلك يتقرب الى الله بمناجزته ويستمد منه العون عليه ويتبع هداه في خوض غمارها.
