الوجه ويلتبس فيه الحكم ، ومن الحقائق ما يتعرفه العقل بوجه غير صحيح. فيحكم عليه بحكم غير مطابق. فالعقل مفتقر اذن الى ركيزة ثالثة تبين له ما تعيى عنه وسائله ، وما ترتبك فيه موازينه ، وهذه الركيزة هي وحي الله خالق الفطرة وبارىء العقل الى انبيائه المصطفين الذين تصدقهم الفطرة ويؤمن بهم العقل :
( قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) (١).
* * *
في أعمق الأعماق من نفس الانسان يوجد الدليل الأول على الله بل والدليل الأول على توحيده وتنزيهه والحافز الذاتي للانسان على التوجه اليه.
في أعماق الاعماق من نفس هذا المخلوق المفكر ، حتى لو أطبق عينيه عن عجائب الكون ، وصرف فكره عن التأمل فيها والتدبر في قوانينها.
في فطرته حين يدع لها الحكم ويسند اليها الرأي.
في فقره الذاتي وهو يشير الى غني مطلق يأمل منه الغنى ، وفي نقصه الطبيعي وهو يتوجه الى كامل أعلى يرجو منه الكمال ، وفي ضعفه الشديد وهو يتعلق بقوي غالب يستمد منه القوة ، وفي عجزه المتناهي وهو يلجأ الى قادر قاهر يبتغي منه القدرة والنصرة. وبكلمة جامعة في قصوره الذاتي من كل ناحية وهو يتوجه الى قوة عليا كاملة من كل ناحية ، متعالية عن
__________________
١ ـ الأنعام ، الآية ١٠٤.
