وهكذا راموا أن يجدوا تفسير مادياً محسوساً لكل مفهوم من المفاهيم ولكل حكم من الاحكام.
وانجر المتطرفون منهم فانكروا وجود ماسوى المادة لأنه لايدرك بالحس ولا تناله التجربة.
وسواء أكان حصر وسائل المعرفة هو الذي أدى بهم الى انكار غير المادة أم كان إنكار ماوراء المادة هو الذي انتهى بهم الى الحصر ، فانه غلو لا مبرر له ، وما أكثر المعاني التي يتصورها الذهن بعيداً عن الحس ، وما أكثر المعاني التي يولدها مما يدركه بالحس ، وما اوفر القضايا التي يحكم عليها بالثبوت أو بالنفي ولا تنالها التجربة.
ومعاني ماوراء المادة لاتنالها الحواس وهؤلاء أنفسهم لا يجحدون تصورها في الذهن وانما ينكرون تحققها في الوجود ، ثم هم يحكمون عليها بأحكام كثيرة متنوعة لا تبلغها التجربة ، وقد تحدثنا عن ذلك اكثر من مرة وللموضوع كتب اخرى تستوفي الحديث عن هذه الاهواء.
القضايا التي يضطر الانسان بطبيعته الى الحكم بصدقها دون حاجة الى فكر ودون حاجة الى دليل ، والبرهان اليقيني القائم على هذه الضروريات والمنتهي اليها ، هاتان هما ركيزتا العقل في حكمه على الحوادث واستنتاجه للحقائق.
على ان المعلومات الاولية التي يمتلكها
العقل ، والبرهان الذي يستند اليه في المعرفة النظرية لايملكان أن يبديا للعقل كل مستور وأن ينيرا له كل سبيل ، فمن الحقائق ما يستدق على الفطرة ولا تناله الضرورة ، واذا خفي على الفطرة والضرورة فقد خفي على البرهان ، ومن الحقائق ما يتعارض فيه
