ضعة بالعقل أن يستأثر به هوى أو تجمح به غريزة ، وهبوط بمنزلته أن يخادعه وهم أو تصرِّفه عادة أو يستبد به تقليد ، ومعرة شديدة ان ينقلب جهلاً أعمى ينكر ما يحس ، أو صدى فارغا يردد ما يسمع.
( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) (١).
كل هذه مهأو ومزالق على العقل أن يتوقاها اذا أراد أن يسمو ، وعلى العاقل أن يحترس من التردي فيها اذا طمع أن يرتقي ، وان يبلغ الغاية التي من اجلها خلق ، ومن اجلها بدأت الحياة.
وركيزة العقل الاولى في حكمه على الحوادث واستنتاجه للحقائق هي الضرورة ، هي القضايا التي يضطر الانسان بطبيعته إلى الحكم بصدقها دون حاجة الى مزيد فكر دون حاجة الى طلب دليل. وسنده الثاني هو البرهان اليقيني القويم ، البرهان الذي يقوم على الضرورة وينتهي اليها. ومتى اعتمد العقل في أحكامه على هاتين الدعامتين استحال عليه أن تضطرب له قدم أو تخف به كفه.
ومن الناس من يحصر وسائل العقل الى المعرفة بالحس والتجربة فلا وسيلة له الى تصور المفردات إلا الحس ، ولا سبيل له الى العلم بأحكامها وأوصافها سوى التجربة.
وهكذا انحصرت المعارف البشرية لديهم ـ لانحصار أسبابها ـ بالمادة وما يتبع المادة.
__________________
١ ـ البقرة ، الآية ١٧١.
