والعلم من جهة خاصة مظهر من مظاهر الدين وشعيرة من شعائره بل ومن أجلى مظاهره وأخص شعائره ، فإن العقيدة ـ وهي أسّ الدين ـ لا تستمكن إلا بالعلم ، وإعجاز التشريع في الدين لا يستوضح إلا من طريقه ، والعبادات المقربة لاتخلص إلا باشعاعه ، فالعلم اداة قوية للدين حين يوطد العقيدة ويزكي العمل ، والعلم مظهر جلي من مظاهر الدين حين يتجافى بالبشر عن النقص ويدفع بهم الى الكمال ، وهو عبادة من أفضل قربات الدين حين تحسن في طلبه النية ويخلص لنيله السعي ، وتسمو في تحصيله الغاية. أسمعت قول الرسول صلىاللهعليهوآله : « تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة » وقوله صلىاللهعليهوآله : « مجالس العلم عبادة ».
فيم هذا التفكر الذي يكون الاستغراق فيه ساعة واحدة خيراً من عبادة سبعين عاماً ، يقول ذلك اكبر داعية في الناس الى العبادة وأعظم دائب منهم فيها ؟.
فيم يكون هذا التفكير؟.
أليس في استعراض بدائع هذا الملكوت وابتلاء أخباره واستبطان أسراره.
أليس في العلوم المبثوثة في هذا الكون العظيم المنثورة على آفاقه ؟.
أليس في التنقيب عن نواميس الله في خلقه ، والافادة مما فيه من قوة ، والاعتبار بما فيه من آية ؟.
أليس في هذه الأعاجيب الكونية التي تثبت
للمرء عقيدته وتحكم صلته بربه وتخلص له عمله وتزكي له نفسه ؟ وما قيمة عبادة جاهلة ليس لها هذا الروح وليس لها هذا الاشعاع ؟ أفليس التفكر الذي يخلص العبادة ويزكيها
