لقد استجوبنا فطرة الانسان من قبل واستجوبنا غريزته ، واستنطقنا اشواقه القوية الملحة وضروراته الكثيرة المتنوعة ، وفحصنا ذخائره النفسية التي أعد بها لبلوغ الكمال واتجاهاته الطبيعية التي تدفع به الى التسامي.
لقد جربنا كل أولئك فوجدناها تؤمن بالدين وتحكم بأنه ضرورة وبأنه قانون كقوانين الحياة في الاحياء والنمو في الناميات لا غناء عنه ولا بديل له ..
ودلالة تلك البدائة على نتائجها وإن تك فكرية منطقية ، من حيث أن الفكر المجرد هو الذي ينظر في هذه وفي صلتها بتلك ، ثم في انسياقها معها واستتباع تلك لها. إلا أن لها كذلك دلالة واقعية وجدانية هي هذا الهوى الداخلي الذي يشد الطالب بالمطلوب ويحول وجهه إليه. وهي هذا الولوع الذي يتجه بابرة الملاح الى القطب الشمالي ويوقف حركتها بين يديه ..
أرأيت الشجيرة التي يسمونها زهرة الشمس قمر ؟ أعرفت السر الذي يميل بزهرتها نحو الشمس أنى مالت ويولعها بقرصها حتى يغيب ؟ انه السبب الذي يعقد المحتاج بمكان حاجته ، ويولع الناقص بمصدر كماله. وانه بذاته السبب الذي يعلق ذخائر الاستكمال في الانسان بالمنهاج الذي به يكتمل وبالغاية التي اليها يسمو.
إنه بذاته السبب الذي يحول أوجه هذه الركائز في الانسان الى الدين.
وهي دلائل واقعية يعتمدها دعاة الدين
كما يعتمدون دلالة البرهان. وأسميها وجدانية من حيث أن المرء يشعر بدعوتها في اعماقه. ولعل الوجدانيين يطلبون نوعاً آخر من حكم الوجدان ، ولا يفقد الدين سنداً من
