وفقرة الاستدلال في هذه الرواية تماثل ما تقدّم في الروايتين السابقتين وهي قوله : « ولا ينقض اليقين بالشكّ ... ».
وتقريبه : أنّ المكلّف في الحالة المذكورة على يقين من عدم الإتيان بالرابعة في بادئ الأمر ، ثمّ يشكّ في إتيانها ، وبهذا تكون أركان الاستصحاب تامّة في حقّه ، فيجري استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة ، وقد أفتاه الإمام على هذا الأساس بوجوب الإتيان بركعة عند الشكّ المذكور ، واستند في ذلك إلى الاستصحاب المذكور معبّرا عنه بلسان « ولا ينقض اليقين بالشكّ ».
وتقريب الاستدلال بهذه الرواية على الاستصحاب على أساس الفقرة المذكورة في سياق تعليله للحكم بأنّه لا ينقض اليقين بالشكّ ، فإنّ السائل سأله عن مسألة ، والإمام أيضا أفاده حكم مسألة أخرى ، وكلتا المسألتين تشتركان في وجود حالة سابقة متيقّنة وحالة لاحقة مشكوكة ، فإنّ الركعتين أو الثلاث محرزة للمكلّف والشكّ في الإتيان بالرابعة أو بالثالثة والرابعة ، فأركان الاستصحاب تامّة بلا إشكال من جهة عدم الإتيان بالرابعة أو الثالثة والرابعة ، وهذا الأمر يعبّر عنه الإمام بعدم نقض اليقين بالشكّ كما تقدّم في الروايتين السابقتين على أساس أنّ هذه القاعدة أمر مرتكز في الذهن العرفي ، ولذلك فإنّ الإمام يطبّقها على مصاديقها.
ولكن يبقى على هذا التقريب أن يفسّر لنا النكتة في تلك الجمل المتعاطفة بما استعملته من ألفاظ متشابهة من قبيل : عدم إدخال الشكّ في اليقين وعدم خلط أحدهما بالآخر ، فإنّ ذلك يبدو غامضا بعض الشيء.
إلا أنّ هذا التقريب يواجه مشكلة لا بدّ من حلّها وهي : أنّ كلام الإمام إن كان ناظرا إلى قاعدة الاستصحاب كما هو الصحيح ، فباعتباره قاعدة مركوزة عند العقلاء والعرف فيكفي في التعبير عنها الإشارة إلى أركانها ، وقد ذكر الإمام ذلك بقوله : « ولا تنقض اليقين بالشكّ » ، وحينئذ فما هي الحاجة لذكر تلك الجمل الأربع وما هي النكتة في هذا التطويل والتكرار؟ إذ يبدو في بادئ الأمر أنّ ذكرها لا مناسبة له مع الاستصحاب ، بل لعلّ الإمام يريد أن يذكر مطلبا غير الاستصحاب ، ولذلك أكّد وكرّر ؛ لأنّ هذا المطلب الجديد ليس مرتكزا عند العقلاء فاحتاج إلى شرح وتكرار من أجل أن يصبح مرتكزا عندهم.
![شرح الحلقة الثّالثة [ ج ٥ ] شرح الحلقة الثّالثة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F814_sharh-alhalqatelsalesa-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
