فقال لقد قمت مقامي هذا وإني لأعلم أن فيكم من هو أقدم صحبة لرسول الله مني . ولكنى شهدت رسول الله نصف النهار في يوم شديد الحر وهو يقول لتكونن فتنة حاضرة ، فمر رجل مقنع . فقال رسول الله وهذا يومئذ على الهدى . فقمت فأخذت بمنكبيه وحسرت على رأسه فإذا عثمان فاقبلت بوجهه على رسول الله . وقلت : هذا يا رسول الله ؟ قال نعم . فأطبق أهل الشام مع معاوية حينئذ بايعوه على الطلب بدم عثمان .
وذكر الواقدي (١) أن معاوية خاطب أهل الشام ـ أثناء رجوعه بعد تنازل الحسن ـ فقال : « أيها الناس إن رسول الله قال : إنك ستلي الخلافة من بعدي . فاختر الأرض المقدسة . وقد اخترتكم . فالعنوا أبا تراب . فلعنوه .
فلما كان من الغد كتب كتابا ثم جمعهم فقرأه عليهم . وفيه : هذا كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية صاحب وحي الله الذي بعث محمداً نبياً ، وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب فاصطفى له من أهله وزيراً وكاتباً أميناً فكان الوحي ينزل على محمد وأنا أكتبه . هو لا يعلم ما أكتب . فلم يكن بيني وبين أحد من خلقه .
فقال له الحاضرون كلهم صدقت يا أمير المؤمنين (٢) .
وذكر الطبري أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مئة ألف درهم حتى يروى أن هذه الآية أنزلت في علي :
« وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ » .
__________________
١ ـ من أساليبه في استمالة أهل الشام والتنديد بخصومه شرح نهج البلاغة ١ / ٣٦١ .
٢ ـ لقد كذب معاوية على الرسول في هذا الكتاب كذبة بشعة . فلقد كان يكتب للرسول بعض رسائله للعرب . ولم يحصل ذلك إلا بعد فتح مكة حين التمس أبوه من النبي أن يشمله بعطفه لينسى الناس مناوءته للنبي . أما كاتب الوحي فهو زيد بن ثابت .
