وهناك نوع آخر من الكذب برع فيه الأمويون . بدأه شيخهم معاوية وبلغ الذروة في أحكامه ونسجه ولا يختلف هذا النوع من الكذب عن الكذب المنظم الذي تقوم به أجهزة الدعاية الحديثة في كثير من الأقطار .
وليس من غير الممكن أن يتصدى الباحث ـ الذي له متسع من الوقت والولع والجهد ـ لدراسة مقارنة بين أساليب الدعاية عند هتلر وزميله ابن أبي سفيان .
وبقدر ما يتعلق الأمر بأساليب الدعاية التي تبناها معاوية ـ وتقع ضمن هذا الباب التي كانت تهدف إلى تثبيت قواعد حكمه يمكننا أن نقدم للقارى الامثلة التالية :
ذكر ابراهيم بن سعد بن هلال الثقفي صاحب « كتاب الغارات (١) أن معاوية كتب لقيس أن يدعوا أهل مصر للمطالبة بدم عثمان وأن يبايعوا لمعاوية ثم قال :
« ولك سلطان العراقين إن ظفرنا ما بقيت ، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان . وسلني عن غير هذا مما تحب ، فإنك لا تسألني شيئاً إلا اتيته ، فأراد قيس أن يخادعه فكتب له يماطله . فأجابه معاوية :
أما بعد : فلم أرك تدنو فأعدك سلما ، ولم أرك تتباعد فأعدك حربا . أراك كحبل الجزور . وليس مثلي يصانع بالخداع ، ولا يخدع بالمكايد . . .
فلما قرأ سعد ذلك كتب له .
أما بعد : فالعجب من استسقاطك رأيي ، والطمع في أن تسومني ـ لا أباً لغيرك ـ الخروج من طاعة أولى الناس بالأمر واقولهم بالحق واهداهم سبيلا ، واقربهم من طاعة أولى الناس بالأمر وأقولهم بالحق اهداهم سبيلا ، وأقرابهم من رسول الله وتأمرني بالدخول في طاعتك : طاعة أبعد الناس من هذا الأمر ، وأقولهم بالزور ، وأضلهم سبيلا ، وأبعدهم عن رسول الله . » فيئس معاوية منه . « فأظهر للناس أن قيسا قد بايعكم فادعوا له .
__________________
١ ـ حققه البحاثة السيد الأستاذ السيد جلال المحدث الأرموي هذا الكتاب ، وطبع في طهران وأعيد طبعه في الأوفست للمرة الثانية « الناشر » .
