لقد مر بنا القول أن اسم الحجاج مقرون في العادة ـ عند كثير من الناس ـ بالشدة والقسوة المتناهيتين . حتى أصبح اسمه يضرب فيه المثل في أخذ الرعية بسياسة الشدة بابشع صورها .
وقد يخيل لبعض الناس إن هذه الشدة تدل على الرجولة والشجاعة . غير أني أرى أنها تدل على الجبن والتخاذل . لأن الشجاعة إنما تظهر عند الرجل في مواقفه مع من هم في منزلته « من الحياء والسطوة والنفوذ أو القوة الجسمية » أو مع من هم فوقه في ذلك .
أما أن يستعمل المرء ضروب القسوة والشدة مع من هم دونه ، في السطوة والنفوذ ، أو مع العزل من الناس فأمر إن دل على شيء فانما يدل على الخسة والجبن وضعة النفس ، خاصة إذا ما كانت مواقف ذلك الشخص ـ مع من هم أعلى منه ـ تنطوى على الجبن والتهافت .
وإلى القارىء موقف الحجاج مع عبد الملك بن مروان في قضيتين هامتين :
عندما أسرف الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم وعلم بذلك عبد الملك بن مروان كتب إليه يزجره وذيل كتابه بالأبيات التهديدية التالية :
|
إذا أنت لم تطلب أموراً كرهتها |
|
وتطلب رضائي بالذي أنت طالبه |
|
وتخشى الذي يخشاه مثلي هاربا |
|
إلى الله منه ضيع الدير حالبه |
|
فإن ترمني غفلة قرشية |
|
فيا ربما قد غص بالماء شاربه |
|
وإن ترمني وثبة أموية |
|
فهذا وهذا كل ذا أنا صاحبه |
|
فلا لا تلمني والحوادث جمة |
|
فإنك مجزى بما أنت كاسبه |
|
ولا تعد ما يأتيك مني وإن تعد |
|
يقوم بها يوما عليك نوادبه (١) |
__________________
١ ـ المسعودي : « مروج الذهب ومعادن الجوهر » ٣ / ٧٤ ـ ٧٦ .
