فقال أيها الأمير : إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار .
قال الحجاج : الخيار يومئذ لله . . . قال أجل . . ولكنك لا تدري لمن يجعله الله . .
قال الحجاج : والله لقد هممت أن أخلع لسانك فأضرب به وجهك .
فقال يا حجاج : إن صدقناك أغضبناك وإن كذبنا أغضبنا الله . فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله (١) .
ويلاحظ ـ في الظاهر ـ أن جامع المحاربي لم يقل للحجاج شيئاً يستلزم أن يهدده الحجاج بالقتل ! ! غير إننا إذا نفذنا إلى الجانب النفسي العميق ـ في هذا الموضوع ـ أمكننا أن نقول :
إن جامع المحاربي قد استفز الحجاج وأثار كوامن نفسه فكان طبيعياً أن يجيبه الحجاج بالشكل الذي مر بنا ذكره . فالحجاج ـ في قرارة نفسه ـ عارف أنه متمرد على الله وعلى رسوله ، وإن حكم الله سيكون عليه لا له . ولكنه ـ مع هذا ـ حاول أن يخفى ذلك في قرارة نفسه كلما وجد إليه سبيلا ، فلما حادثه جامع ـ بالذي ذكرناه ـ تحركت نوازع نفسه فطفحت تهديداً على لسانه ليقطع الحديث على جامع ويخيفه لئلا يعود إليه في المستقبل .
و « دخل إعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال : ـ يا أمير المؤمنين ـ إني أريد أن أكلمك بكلام . . . فإذا أمنت بادرة غضبك فسأطلق لساني بما خرست به الألسن . . . تأدية لحق الله .
يا أمير المؤمنين أنه قد تكنفك رجال أساؤا الإحسان لأنفسهم ، وابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاك بسخط ربهم ، وخافوك في الله ، ولم يخافوا الله فيك . . . فلا تأمنهم على ما يأمنك الله عليه ، إنهم لم يأتوا إلا ما فيه تضييع ، وللأمة خسف
__________________
١ ـ ابن قتيبة « عيون الأخبار » ٢ / ٢١٢ طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة .
