وبعبارة أخرى : أنّ الوجوب الواقعي الذي هو محلّ الكلام لا يمكن إناطته وتعليقه على العلم والإحراز ، أو على عدم العلم والاحراز ؛ لأنّ قاعدة الاشتراك تثبت أنّ الأحكام الواقعيّة ثابتة مطلقا سواء علم بها أم لا.
نعم ، المنجّزيّة والتي هي بمرتبة الوجوب الظاهري تكون منوطة ومعلّقة بالعلم وعدمه ، بمعنى أنّه إذا علم بالوجوب يتنجّز عليه ، وإذا جهله فلا يتنجّز عليه. والمنجّزيّة وعدمها من الأحكام الظاهريّة لا الواقعيّة ، ولذلك لا مانع من اختصاصها بالعالم دون الجاهل.
إذا تعليق الوجوب على الإحراز أو العلم بعدم الترخيص معناه أنّ الوجوب هنا وجوب ظاهري ، أي كونه منجّزا أو ليس بمنجّز. وهذا خارج عن محلّ الكلام ؛ لأنّنا نتكلّم عن الوجوب الواقعي الثابت مطلقا ، سواء علم به أم لا.
ولو سلّم فبالإمكان إحراز الترخيص بعد صدور الأمر بأدلّة الأصول المؤمّنة. وهذا يعني أنّه لا وجوب مطلقا أو غالبا. وهذا لا يقوله أحد (١).
__________________
(١) يضاف إلى هذه الردود بعض النقوض الأخرى من قبيل :
١ ـ إذا ورد أمر وحكم العقل بالوجوب ؛ لأنّه لم يقترن بالترخيص ، ثمّ بعد ذلك نسخ هذا الوجوب ، فبناء على هذا المسلك يلزم أو يحكم العقل بالاستحباب ؛ لأنّ الأمر دالّ على الطلب والدليل الناسخ رفع الوجوب فيتعيّن الاستحباب ، بينما المشهور عندهم هو الحكم بالجواز فقط.
٢ ـ إذا ورد أمر عقيب توهّم الخطر ، فبناء على هذا المسلك ينبغي الحكم بالوجوب ؛ لأنّه أمر لم يقترن بالترخيص ، مع أنّ المشهور أنّه يدلّ على الجواز والإباحة ، بل لا يلتزم أحد حتّى الميرزا بكونه وجوبا ؛ لأنّ توهّم الحظر قرينة غير لفظيّة على عدم إرادة الوجوب.
ولذلك لعلّ الميرزا يبرّر عدم دلالته على الوجوب باعتبار أنّ توهّم الحظر بنفسه قرينة ولو غير لفظيّة على الترخيص ، فيكون دالاّ على مسلكه على الاستحباب ، وهو أيضا خلاف البناء الفقهي.
٣ ـ إذا ورد أمر واحد له متعلّقات متعدّدة علم بعدم إرادة الوجوب من بعضها كما إذا قيل : ( اغتسل للجمعة وللعيدين وللجنابة ) فبناء على مسلك الميرزا سوف لا تسلّم دلالة الأمر على الوجوب ، حتّى لو علم بعدم إرادته من بعضها لقيام الدليل الخاصّ على الترخيص ، مع أنّ المشهور هو انثلام هذه الدلالة على الوجوب ؛ لأنّ معناه أنّ ( اغتسل ) تكون دالّة على الوجوب وعلى الاستحباب معا ، وهو غير صحيح.
![شرح الحلقة الثّالثة [ ج ١ ] شرح الحلقة الثّالثة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F783_sharh-alhalqatelsalesa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
