إنّ دليل حجّيّة الأمارة ينزّل الأمارة منزلة العلم ، فكلّ آثار العلم تترتّب على الأمارة. ومن جملة آثار العلم كونه منجّزا ومعذّرا ، فتثبت المنجّزيّة والمعذّريّة للأمارة بدليل التنزيل المجعول في دليل حجّيّتها. أو يقال : إنّ دليل الحجّيّة ينزّل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع المقطوع ، فمن المعلوم أنّ الواقع المقطوع به يكون منجّزا ومعذّرا إمّا بنفسه بأن كان المقطوع به حكما شرعيّا كالوجوب والإباحة ، وإمّا مع الواسطة بإن كان المقطوع به موضوعا لحكم شرعي. فإحراز الموضوع والقطع به يترتّب عليه التنجيز والتعذير ، فإنّه إن كان موضوعا لحكم إلزامي كان منجّزا ، وإن كان موضوعا للترخيص كان معذّرا.
ودليل الحجّيّة في الأمارة يجعل هذا المؤدّى كالمقطوع به منجّزا أو معذّرا لكون المؤدّى إما حكما أو موضوعا لحكم.
وهذا نظير تنزيل الطواف في البيت منزلة الصلاة ، فإنّ معناه أنّ أحكام الصلاة تثبت للطواف من الطهارة الخبثيّة والحدثيّة ؛ لأنّه المنظور في دليل التنزيل.
وعلى هذا الأساس نشأ الاعتراض والاستشكال وهو :
ومن هنا يعترض عليه : بأنّ التنزيل من الشارع إنّما يصحّ فيما إذا كان للمنزّل عليه أثر شرعي بيد المولى توسيعه وجعله على المنزّل ، كما في مثال الطواف والصلاة ، وفي المقام القطع الطريقي ليس له أثر شرعي بل عقلي ، وهو حكم العقل بالمنجّزيّة والمعذّريّة ، فكيف يمكن التنزيل؟!
ومن هنا نشأ الاستشكال ، فإنّ القول بأنّ دليل الحجّيّة ينزّل الأمارة أو مؤدّاها منزلة العلم أو الواقع غير صحيح ؛ وذلك لأنّ التنزيل يفترض وجود منزّل وهو الحاكم والجاعل ، ووجود منزّل وهو المراد إسراء الحكم إليه ، ومنزّل عليه وهو المراد إسراء الحكم منه. وهذا التنزيل يفترض أن يكون المنزّل قادرا على إسراء الحكم من هذا إلى ذاك وإلا فلا يتمّ التنزيل ، وهنا المفروض أنّ المنزّل هو الشارع ، وهذا يعني أنّه لا بدّ أن يكون هناك أثر شرعي في المنزّل عليه يراد إسراؤه إلى المنزّل ؛ لأنّ الأثر الشرعي بيد الشارع جعله ورفعه وتضييقه وتوسيعه.
فمثلا تنزيل الطواف منزلة الصلاة في قوله : « الطواف في البيت صلاة » صحيح ؛ لأنّ المراد منه إسراء حكم المنزّل عليه وهو الطهارة إلى المنزّل أي الطواف. ومن المعلوم
![شرح الحلقة الثّالثة [ ج ١ ] شرح الحلقة الثّالثة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F783_sharh-alhalqatelsalesa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
