أنّ الطهارة من الآثار الشرعيّة بيد الشارع جعلها ووضعها على الموضوع الذي يريده ؛ لأنّ أسباب الطهارة والنجاسة من الأسباب الاعتباريّة المجعولة من الشارع.
وأمّا في مقامنا فدليل التنزيل يريد إسراء المنجّزيّة والمعذّريّة الثابتتين للقطع الذي هو المنزّل عليه إلى الأمارة التي هي المنزّل ، وهذا التنزيل يصحّ فيما إن كانت المنجّزيّة والمعذّريّة من الآثار الشرعيّة للقطع ، بحيث يكون بيد المولى جعلها ووضعها ورفعها ، وهذا واضح البطلان ؛ إذ من المعلوم أنّ المنجّزيّة والمعذّريّة يثبتان للقطع بحكم العقل.
فإنّ العقل يحكم بلزوم الإطاعة والامتثال عند القطع بتكليف الشارع ، ويحكم بالمعذّريّة عند القطع بعدم التكليف مع مخالفته للواقع ، وليستا من الآثار الشرعيّة ؛ إذ يستحيل أن يحكم الشارع بالمنجّزيّة والمعذّريّة لاستلزامه الدور ؛ إذ ما هو الدليل على لزوم إطاعة هذه المنجّزيّة والمعذّريّة؟ فإن كان حكم الشارع ينقل الكلام إليه ويتسلسل ، فلا بدّ أن ينتهي الأمر إلى أنّ الحاكم بذلك هو العقل ، والأوامر الإلهيّة في المقام ليست إلا إرشادا لحكم العقل بذلك.
فإذا ثبت كون المنجّزيّة والمعذّريّة من أحكام العقل وليس بيد الشارع وضعهما ورفعهما فكيف يصحّ التنزيل إذا؟! وعليه فكيف تكون الأمارة قائمة مقام القطع الطريقي في التنجيز والتعذير؟! فإنّ هذا اللسان قاصر عن إبراز وإثبات وتصوير قيامها مقامه.
وقد تخلّص بعض المحقّقين (١) عن الاعتراض برفض فكرة التنزيل واستبدالها بفكرة جعل الحكم التكليفي على طبق المؤدّى ، فإذا دلّ الخبر على وجوب السورة حكم الشارع بوجوبها ظاهرا ، وبذلك يتنجّز الوجوب ، وهذا هو الذي يطلق عليه مسلك جعل الحكم المماثل.
الثاني : يظهر من المحقّق الخراساني في حاشيته على ( الرسائل ) إلا أنّه عدل عنه في ( الكفاية ) وحاصله : أنّ دليل الحجيّة للأمارة لا ينزلها منزلة العلم أو الواقع ؛ لأنّه مستحيل كما تقدّم. وإنّما دليل الحجّيّة مفاده جعل حكم تكليفي على طبق مؤدّى الأمارة ، وهذا هو المسلك المعروف بجعل الحكم المماثل ، بمعنى أنّ الشارع عند ما جعل الأمارة حجّة فمعناه أن يجعل حكما تكليفيّا على طبق ما أدّت إليه الأمارة. فإذا
__________________
(١) منهم المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣ : ٥٩.
![شرح الحلقة الثّالثة [ ج ١ ] شرح الحلقة الثّالثة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F783_sharh-alhalqatelsalesa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
