وثالثا : النكتة في قياس البيع بالربا دون العكس في قوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا إِنما البيع مثل الربا ، ولم يقل : إِنما الربا مثل البيع كما هو السابق الى الذهن وسيجيء توضيحه .
ورابعا : أن التشبيه أعني قوله : الذي يتخبطه الشيطان من المس لا يخلو عن إِشعار بجواز تحقق ذلك في مورد الجنون في الجملة ، فان الآية وإِن لم تدل على ان كل جنون هو من مس الشيطان لكنها لا تخلو عن إِشعار بأن من الجنون ما هو بمس الشيطان ، وكذلك الآية وإِن لم تدل على ان هذا المس من فعل إِبليس نفسه فان الشيطان بمعنى الشرير ، يطلق على ابليس وعلى شرار الجن وشرار الإنس ، وابليس من الجن ، فالمتيقن من إِشعار الآية ان للجن شأناً في بعض الممسوسين ان لم يكن في كلهم .
وما ذكره بعض المفسرين أن هذا التشبيه من قبيل المجاراة مع عامة الناس في بعض اعتقاداتهم الفاسدة حيث كان اعتقادهم بتصرف الجن في المجانين ، ولا ضير في ذلك لأنه مجرد تشبيه خال عن الحكم حتى يكون خطأ غير مطابق للواقع ، فحقيقة معنى الآية ، أن هؤلاء الآكلين للربا حالهم حال المجنون الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وأما كون الجنون مستنداً الى مس الشيطان فأمر غير ممكن لأن الله سبحانه أعدل من ان يسلط الشيطان على عقل عبده أو على عبده المؤمن .
ففيه : انه تعالى أجل من أن يستند في كلامه الى الباطل ولغو القول بأي نحو كان من الاستناد إِلا مع بيان بطلانه ورده على قائله ، وقد قال تعالى في وصف كلامه « لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ » فصلت ـ ٤٢ ، وقال تعالى : « إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ » الطارق ـ ١٤ .
وأما أن استناد الجنون إِلى تصرف الشيطان بإِذهاب العقل ينافي عدله تعالى ، ففيه أن الإشكال بعينه مقلوب عليهم في إِسنادهم ذهاب العقل الى الاسباب الطبيعية ، فإِنها أيضاً مستنده بالاخرة الى الله تعالى مع إِذهابها العقل .
على أنه في الحقيقة ليس في ذهاب العقل
بإِذهاب الله إِياه إِشكال . لان التكليف يرتفع حينئذ بارتفاع الموضوع ، وإِنما الاشكال في أن ينحرف الادراك العقلي عن مجرى
الحق وسنن الاستقامة مع بقاء موضوع العقل على حاله ، كأن يشاهد الانسان العاقل
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F67_al-mizan-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

