الدين من ملاحم القرآن الكريم .
قوله تعالى : الذين يأكلون الربا لا يقومون إِلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ، الخبط هو المشي على غير استواء ، يقال خبط البعير إِذا اختل جهة مشيه ، وللانسان في حياته طريق مستقيم لا ينحرف عنه ، فإِنه لا محالة ذو أفعال وحركات في طريق حياته بحسب المحيط الذي يعيش فيه ، وهذه الافعال محفوظة النظام بأحكام اعتقادية عقلائية وضعها ونظمها الانسان ثم طبق عليها أفعاله الانفرادية والاجتماعية ، فهو يقصد الاكل إِذا جاع ، ويقصد الشرب إِذا عطش ، والفراش إِذا اشتهى النكاح ، والاستراحة إِذا تعب ، والاستظلال إِذا أراد السكن وهكذا ، وينبسط لامور وينقبض عن اخرى في معاشرته ، ويريد كل مقدمة عند ارادة ذيها ، واذا طلب مسبباً مال الى جهة سببه .
وهذه الافعال على هذه الاعتقادات مرتبطة متحدة نحو اتحاد متلائمة غير متناقضة ومجموعها طريق حياته .
وانما اهتدى الانسان الى هذا الطريق المستقيم بقوة مودوعة فيه هي القوة المميزة بين الخير والشر والنافع والضار والحسن والقبيح وقد مر بعض الكلام في ذلك .
واما الانسان الممسوس وهو الذي اختلت قوته المميزة فهو لا يفرق بين الحسن والقبيح والنافع والضار والخير والشر ، فيجري حكم كل مورد فيما يقابله من الموارد ، لكن لا لأنه ناس لمعنى الحسن والقبح وغيرهما فإِنه بالاخرة انسان ذو إِرادة ، ومن المحال ان يصدر عن الانسان غير الافعال الانسانية بل لانه يرى القبيح حسناً والحسن قبيحاً والخير والنافع شراً وضاراً وبالعكس فهو خابط في تطبيق الاحكام وتعيين الموارد .
وهو مع ذلك لا يجعل الفعل غير العادي عادياً دون العكس فإِن لازم ذلك ان يكون عنده آراء وأفكار منتظمة ربما طبقها على غير موردها من غير عكس ، بل قد اختل عنده حكم العادة وغيره وصار ما يتخيله ويريده هو المتبع عنده ، فالعادي وغير العادي عنده على حد سواء كالناقة تخبط وتضرب على غير استواء ، فهو في خلاف العادة لا يرى العادة الا مثل خلاف العادة من غير مزية لها عليه ، فلا ينجذب من خلاف العادة الى العادة فافهم ذلك .
وهذا حال المرابي في اخذه الربا ( إِعطاء
الشيء وأخذ ما يماثله وزيادة بالاجل ) فإِن الذي تدعو اليه الفطرة ويقوم عليه أساس حياة الانسان الاجتماعية ان يعامل
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F67_al-mizan-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

