في مورد الطهارة والنجاسة فالايتمار بأمر من أوامره تعالى والانتهاء عن كل ما نهى عنه تطهر عن قذارة المخالفة والمفسدة ، وتوبة ورجوع إِليه عز شأنه ، ولمكان هذه المناسبة علل تعالى ما ذكره من الحكم بقوله : إِن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، فإِن من اللازم أن ينطبق ما ذكره من العلة على كل ما ذكره من الحكم ، أعني قوله تعالى : فاعتزلوا النساء في المحيض ، وقوله : فأتوهن من حيث أمركم الله ، والآية أعني قوله : إِن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، مطلقة غير مقيدة فتشمل جميع مراتب التوبة والطهارة كما مر بيانه ، ولا يبعد استفادة المبالغة من قوله تعالى : المتطهرين ، كما جيء بصيغة المبالغة في قوله : التوابين ، فينتج استفادة الكثرة في التوبة والطهارة من حيث النوع ومن حيث العدد جميعاً ، أعني : إِن الله يحب جميع أنواع التوبة سواء كانت بالاستغفار أو بامتثال كل أمر ونهي من تكاليفه أو باتخاذ كل اعتقاد من الاعتقادات الحقة ، ويحب جميع أنواع التطهر سواء كان بالاغتسال والوضوء والغسل أو التطهر بالاعمال الصالحة أو العلوم الحقه ، ويحب تكرار التوبة وتكرار التطهر .
قوله تعالى : نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ، الحرث مصدر بمعنى الزراعة ويطلق كالزراعة على الارض التي يعمل فيها الحرث والزراعة ، وأنى من اسماء الشرط يستعمل في الزمان كمتى ، وربما استعمل في المكان أيضاً ، قال تعالى : « يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ » آل عمران ـ ٣٧ ، فإِن كان بمعنى المكان كان المعنى من أي محل شئتم ، وإِن كان بمعنى الزمان كان المعنى في أي زمان شئتم ، وكيف كان يفيد الاطلاق بحسب معناه وخاصة من حيث تقييده بقوله : شئتم ، وهذا هو الذي يمنع الأمر أعني قوله تعالى : فأتوا حرثكم ، أن يدل على الوجوب إِذ لا معنى لإيجاب فعل مع إِرجاعه إِلى اختيار المكلف ومشيته .
ثم إِن تقديم قوله تعالى : نساءكم حرث
لكم ، على هذا الحكم وكذا التعبير عن النساء ثانياً بالحرث لا يخلو عن الدلالة على أن المراد التوسعة في إِتيان النساء
من حيث المكان أو الزمان الذي يقصدن منه دون المكان الذي يقصد منهن ، فإِن كان الإطلاق من حيث المكان فلا تعرض للآية للإطلاق الزماني ولا تعارض له مع قوله تعالى في الآية السابقة : فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن الآية ، وإِن كان
من حيث الزمان فهو مقيد بآية المحيض ، والدليل عليه اشتمال آية المحيض على ما يأبى
معه
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F67_al-mizan-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

