ينكشف لسفره عن داره التي يأوي اليها ويكنّ فيها ، وكأن قوله تعالى : أو على سفر ، ولم يقل : مسافراً للإِشارة إلى اعتبار فعلية التلبس حالاً دون الماضي والمستقبل .
وقد قال قوم ـ وهم المعظم من علماء أهل السنة والجماعة ـ : إِن المدلول عليه بقوله تعالى : فمن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر ، هو الرخصة دون العزيمة فالمريض والمسافر مخيران بين الصيام والإِفطار ، وقد عرفت أن ظاهر قوله تعالى : فعدة من ايام أُخر هو عزيمة الإفطار دون الرخصة ، وهو المروي عن أئمة اهل البيت ، وهو مذهب جمع من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير ، فهم محجوجون ، بقوله تعالى : فعدة من أيام أُخر .
وقد قدروا لذلك في الآية تقديراً فقالوا : ان التقدير فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام اخر .
ويرد عليه أولاً : أن التقدير كما صرحوا به خلاف الظاهر لا يصار اليه إِلا بقرينة ولا قرينة من نفس الكلام عليه .
وثانياً : أن الكلام على تقدير تسليم التقدير لا يدل على الرخصة فان المقام كما ذكروه مقام التشريع ، وقولنا : فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر غاية ما يدل عليه أن الافطار لا يقع معصية بل جائزاً بالجواز بالمعنى الأعم من الوجوب والاستحباب والاباحة ، وأما كونه جائزاً بمعنى عدم كونه الزامياً فلا دليل عليه من الكلام ألبتة بل الدليل على خلافه فان بناء الكلام في مقام التشريع على عدم بيان ما يجب بيانه لا يليق بالمشرع الحكيم وهو ظاهر .
قوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، الاطاقة كما ذكره بعضهم صرف تمام الطاقة في الفعل ، ولازمه وقوع الفعل بجهد ومشقة ، والفدية هي البدل وهي هنا بدل مالي وهو طعام مسكين أي طعام يشبع مسكيناً جائعاً من أوسط ما يطعم الانسان ، وحكم الفدية أيضاً فرض كحكم القضاء في المريض والمسافر لمكان قوله : وعلى الذين ، الظاهر في الوجوب التعييني دون الرخصة والتخيير .
![الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F67_al-mizan-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

