المنبئُ عن الضَّرورةِ الَّتي يدورُ عليها أَمرُ الرّخصةِ ؛ كأَنّه قيلَ : ولا جُنُباً إلاّ مُضطَرِّينَ ، ولذلكَ قيلَ : هو كنايةٌ عن مطلقِ المعذورينَ.
ومَنْ حمَلَ الصَّلاةَ على مواضِعِها حَملَ عابرِي السّبيلِ على المُجْتَازينَ بها وجَوَّزَ للجُنُبِ عُبورَ المسجدِ ، وبه قالَ الشَّافعيُّ ، ومنعَهُ أَبو حنيفةَ إلاّ أن يكون الماءُ أَو الطّريقُ فيهِ.
( إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ) (١) أَي تَعْلَمونَ عبارةَ الرُّؤيا ، وهي الانتقالُ من الصّورِ الخياليَّةِ المشاهَدةِ في المنامِ إِلى ما هو صورٌ وأَمثالٌ لها من الأُمورِ ـ النَّفسانيّةِ والآفاقيّةِ ـ الواقعةِ في الخارجِ. واللاّمُ للبيانِ ، أَو لتقويةِ العاملِ المؤخَّرِ لرعايةِ الفواصلِ ، أَو لتضمينِ ( تَعْبُرُونَ ) معنى تَنتَدِبُونَ ؛ كأَنَّه قيلَ : إِن كُنتمْ تَنْتَدِبُونَ لعبارةِ الرُّؤيا.
( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ) (٢) حالةَ اعتبارٍ ودلالةً تستدلّونَ بها على عظيمِ قُدرةِ اللهِ تعالى وإِسباغِ رحمتِهِ ونِعمتهِ ، وقولُهُ تعالى : ( نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها ) إلى آخرِهِ (٣) ، تفصيلٌ لِما فيها من مواقعِ العِبرةِ.
( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ) (٤) انظُرُوا وتدبَّرُوا يا أُولي البصائرِ ما جَرى عليهِم من الأَحوالِ والأُمورِ الهائِلةِ وانتقلُوا مِنها إلى حالِ أَنفسِكُمْ ، فلا تُعوِّلُوا على تعاضُدِ الأسبابِ بل توكَّلُوا على اللهِ عزَّ وجلَّ.
الأثر
( الرُّؤْيا لأَوَّلِ عَابِرٍ ) (٥) أَي إِذا قصَّها صاحبُها أَوّلاً على عابِرٍ فعَبَرَها وقَعَتْ على عبارتهِ ، فإِن قصَّها ثانيةً على عابرٍ آخرَ فعَبَرَها لم يثبُتْ بعبارتِهِ شيءٌ ، أَؤ معناهُ : إِنَ العَابِرَ الأَوَّلَ إذا كانَ عالِماً
__________________
(١) يوسف : ٤٣.
(٢) المؤمنون : ٢١.
(٣) المؤمنون : ٢١ ـ ٢٢.
(٤) الحشر : ٢.
(٥) الفائق ٣ : ٢٨ ، غريب الحديث لابن الجوزي ١ : ٣٨١ ، النَّهاية ٣ : ١٧٠.
![الطّراز الأوّل [ ج ٨ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F512_taraz-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
