الأُولَى مُتَعَلِّقَةٌ بالرِّزْقِ مُقَيَّداً بكَوْنِهِ من الجَنَّاتِ فَلا يَرِدُ عَدَمُ جَوازِ تَعَلُّقِ حَرْفَي جَرٍّ مُتَّحِدَيْنِ مَعْنَىً بِفِعْلٍ واحِدٍ إِلاَّ على قَصْدِ الإِبدالِ ؛ والتَّقْدِيرُ : كُلَّمَا رُزِقُوا رِزْقاً مِنَ الجَنَّاتِ من ثَمَرَةٍ ، كما تقولُ : أَطعَمَنِي فُلانٌ من بُسْتَانِهِ مِنَ التُّفَّاحِ.
ومَعْنَى « هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ » ( أَي هذا مِثلُ الرِّزْق الَّذي رُزِقنَاهُ من قَبْلُ ) (١) في الدُّنْيا ـ نحو : أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ ـ لأَنَّ ذاتَ مَا رُزقُوهُ فِي الجَنَّةِ لا يَكونُ ذاتَ ما رُزِقُوهُ في الدُّنيا.
والضَّمِيرُ في « أُتُوا بِهِ » عَائِدٌ إِلى الرِّزْقِ في الدَّارَيْنِ ؛ لانْطِواءِ ذِكْرِ ما رُزِقُوهُ فِيهِمَا تَحْتَ قَوْلِهِمْ : « هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ ».
والغَرَضُ من جَعْلِ ثَمَرَي الدُّنْيَا والآخِرَةِ مُتَشابِهاً أَنَّ الإِنسانَ بالمأْلوفِ آنَسُ وإِلى المَعْهودِ أَميَلُ ، فَإِنَّهُ إِذا ظَفَرَ بِشَيءٍ من جِنْسِ مالَهُ بِهِ عَهْدٌ ورَأَى فيهِ مَزِيَّةً ظاهِرَةً أَفرَطَ ابتِهَاجه بِهِ واستِعْجابهُ منهُ وتَبَيَّنَ كُنْه النِّعْمَةِ فيهِ ، فإِذا أَبصَروا الرُّمَّانَةَ والنَّبِقَةَ في الدُّنيا ـ وحَجْمُهُمَا حَجْمُهُمَا ـ ثُمَّ أَبْصَروا رُمَّانَةَ الجَنَّةِ تُشْبِعُ أَهْلَ الدَّارِ والنَّبِقَةَ كالقُلَّةِ مِنْ قِلالِ هَجَرٍ كانَ ذلِكَ أَبيَنَ للفَضْلِ وأَزيَدَ في التَّعَجُّبِ ، ولو كانَ غَيْرَ مَعْهُودٍ ظَنُّوا أَنَّهُ لا يَكونُ إِلاَّ كَذَلِكَ.
( وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ ) (٢) كسَبَبٍ وعُنُقٍ ؛ قِراءَتَانِ (٣). أَي وكانَ لَهُ مع الجَنَّتَيْنِ أَنوَاعٌ من المالِ يَمْلِكُهَا من ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وَغَيْرِ ذلِكَ.
( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) (٤) أَموالِهِ المَعْهُودَةِ من جَنَّتَيْهِ وغَيْرِهِما.
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « ج ».
(٢) الكهف : ٣٤.
(٣) كسبب قرأ بها عاصم وروح ، وكعُنُق قرأ بها ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وغيرهما انظر الحجّة للقرّاء السّبعة ٣ : ٨٤ ، والتّيسير : ١١٦ ، والمبهج ٣ : ٦٢.
(٤) الكهف : ٤٢.
![الطّراز الأوّل [ ج ٧ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F508_taraz-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
