ـ من مقيسٍ ومَقيسٍ عليه وحُكمٍ ـ إلّا بوجود العلّة الجامعة التي يسري حكمُها من المقيس عليه إلىٰ المقيس.
والثابت في دراسة النحويّين للعلّة : أنّ دراستَهم وتأليفهم في أنواع العلل قد مرّ بمراحل متعدّدة ، يمكن إجمال القول فيها بأنّ تعليلات النحويّين المتأخّرين عن عصر الخليل وسيبويه قد اصطبغت بصبغة عقلية خالصة ، فاتّخذت سبيل علل أهل الكلام والمناطقة ، فتخلّت بذلك عن سِمتِها الوصفية التي طَبعتْ دراسة النحو في أوّلِيّته ، حتّىٰ أصبحت علل المتأخّرين ميداناً تتبارىٰ فيه العقول وتكدّ فيه الأذهان ، لإظهار مقدرة النحويّ في استنباط علل لم يألفْها الدرس النحويّ قبله.
أمّا في عصر ركن الدين الأستراباديّ ، الذي عاش في القرنين السابع والثامن للهجرة ، فنجد أنّ دراسة التعليل مبنية علىٰ نهج قائم علىٰ الجدل والمنطق والحجاج ، ممّا صبغ دراسة ركن الدين للتعليل النحويّ في كتابه البسيط في شرح الكافية بهذه الصبغة العقلية ، ولا غرابة في توَجُّهه هذا ، إذا ما علِمنا أنّه تلميذ الخواجة الفيلسوف المتكلّم نصير الدين الطوسيّ ، الذي تبنّىٰ مراحل تعليمه ، وإعداده إعداداً موسوعيّاً ، فبرز ركن الدين مجتهداً في العلوم العقلية ، والعلوم الطبيعية ، التي ألقتْ بظلالها علىٰ نهج دراسته لعلوم العربية من نحو وصرف.
وقد بان هذا التأثّر بما تحصّل عليه من ثقافة عقلية واسعة ، في ما ألّف في علم النحو ، فقد اتّسم كتابه البسيط ، وهو شرح مطوّل علىٰ متن الكافية في النحو لابن الحاجب ، بكثرة الجدل ، ودقّة المناقشة والتعليل ، فضلاً عن مدّ علل الأحكام ، والتوسّع في شرحها ، واستيفاء أقوال العلماء ، ومفاتشتها ، والاختيار منها ،
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٨ ] [ ج ١٤٨ ] تراثنا ـ العدد [ 148 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4731_turathona-148%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)