النقدية والانتقادية في بعض الطبعات ، ثمّ أعيدت فيما بعد في طبعات لاحقة كالمقامة الشامية وغيرها. ولا بأس في البدء أن نطرق أو نعرض لمسألة كانت مظنّة اختلاف بين الباحثين في عقيدة بديع الزمان الهمذاني المذهبية قبل الولوج في تعريف فنّ المقامة ومضامينها وأهدافها فنعرض إلىٰ مسألة عقيدته ومذهبه التي يبدو أنّه أخفاها ، وهي مسألة تشيّعه سواء أكان التشيّع إماميّاً أم زيديّاً أم إسماعيليّاً ، وسبب الإخفاء هذا وعدم الجهر بعقيدته؛ خشيته أوّلاً من حكّام عصره ـ بني العبّاس ـ الذين نصبوا العداء والكراهية لشيعة آل البيت عليهمالسلام وخوفاً من بطشهم ، فاتّخذ التقيّة وسيلة له لتمشية أموره الحياتية. ومن الأدلّة علىٰ إخفاء تشيّعه ما رواه الثعالبي في يتيمة الدهر أنّ البديع كان كلامه كلّه عفو الساعة وفيض البديهة ، فله من كتاب كتبه في النصيحة للإنسان قال : «نهت الحكماء عن صحبة الملوك وقالوا : إنّ الملوك إذا خدمتهم ملّوك ، وإن لم تخدمهم أذلّوك وإنّهم يستعظمون في الثواب ردّ الجواب ، ويستقلّون في العقاب ، ضرب الرقاب ... إلخ»(١).
وهذا الكلام يدلّ دلالة واضحة علىٰ النهي عن معاشرة الحكّام الظالمين والملوك المستبدّين ويعني الابتعاد عن رجال السلطة العبّاسية الحاكمة في زمانهم لأنّهم يمثّلون الجبروت والظلم بأسمىٰ آياتهما.
ومن يتأمّل العديد من مقاماته نراه قد وضع إصبعه فيها علىٰ الجرح متناولاً بالنقد ما يعانيه عامّة الناس وبخاصّةٍ الموالين لأهل البيت عليهمالسلام وممّن وقف ضدّ الحكّام المغتصبين للسلطة والخلافة من أيدي أصحابها الشرعيّين وهم الشيعة
__________
(١) يتيمة الدهر ٤/ ٣٠٢.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٥ ] [ ج ١٤٥ ] تراثنا ـ العدد [ 145 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4726_turathona-145%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)