فذكرت أنّ هذه من باب كلمات نابت عن الفعل فعملت عمله ، و بعضها في الأمر ، و بعضها في الخبَرِ ، نحو : صَه و مَه و بَله زيد ، أو هيهات بمعنى بَعُد .
ودهٍ في كلام العرّبَ بمعنى : صَح أو يصحُّ ، ألا ترى أنّ قَوماً جاءوُا إلى سطيح الكاهن و خبّأوا له خَبأً ، فسألوه ، فلم يُصرّح ، فقالوا : لا ده ، أي : لا یصح ما قلت .
فقال لهم : إلَّا دَهِ ، فلا دَهِ ، حَبَّةُ برّ في إحلیل مُهر ، فأصاب ، فکأنه قال : إن لا یصح فلا یَصحُ أبداً، لکنّنی أقول في المستقبل ما تشهد له بالصحة ، وکان کما قال ، إلا أنّ التنوین الداخل على هذه الکلمة لیس هو الداخل على نحو التنوین الداخل على رجل وفرسٍ، ولکنه تنوین دخل على نوعٍ من تنکیر .
قال الراد علیه : قولک : دَهِ اسم من أسماء الفعل ، لیس یصح على مذهب الجماعة ومَن له حدق بهذه الصناعة .
والصحیح في هذه الکلمة إنّها اسم فاعل مِنْ : دَهِی یَدهى ، فهو دَهِ وداه ، والمصدر : الدهاء ، والدَّهی ، فیکون المراد به أنه فَطِن ؛ لأن الدهاء : الفطنة وجودة الرأی ، فکأنّه قال : إلّا أکن دَهِیّاً فلا یکون دهی أبداً .
هذا أصله ، ثم أجریت هذه اللفظة مثلاً إلى أن صارت یُعبر بها عن کلّ فعل تغتنم الفرصة في فعله .
مثال ذلک : أن یقول الإنسان لصاحبه وقد أمکنته الفرصة في طلب ثأر :
![نخبة المقال [ ج ٢ ] نخبة المقال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4722_Nokhbah-Maqal-part02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
